فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 257

"بردة"، ساترة، ولا يوجد في البيت إلاّ مرافق مُشتركة، وظلَّ الحالُ على هذا نحو ستّة أشهر يحتسبُ الرجل الأجر والثّواب، وأرى له راحةً وبشاشة عجيبتين، وكان دائم التّكرار لهذه المقوله"كنّا نتمنّى حُلول هذا اليوم فإذا جاء نقصّر ... لا والله"، فعلِم الله لقد رأيتُ منه ومن أهله تفانيًا عجيبًا إلى حدّ لا يكاد يوصف.

وعلى الرغم من أنَّ أبا عمر كان حافظًا لكتاب الله، كبيرًا في السّن مقارنةً مع الشّباب (عمره كان تقريبا 37 سنة) ، إلاّ أنّه كان يرى نفسه أصغَرَهُم وخادِمهم، مع طلاقة وجهٍ وحسن عُِشْرة عجيبة، وفي أحد أيّام هذا البيت حصَلت النّهاية السّعيدة، لتُثبت أنّنا أمام بطلٍ من طرازٍ فريد -سأعود إلى ذلك- أبو سُليمان الفلسطينيّ الأردنيّ الكويتيّ- أو هكذا كان يقولُ عن نّفسه، رجلٌ يملأ العين مهابة، ذكيّ نصوح، صاحبُ نُصحٍ ومشورة، بئرٌ عميقةٌ للأسرار.

يومَ المداهمة جئتُ إلى البيت كعادتي -تقريبًا -مع أذان المغرب، دخلتُ بيتي أُطمئنهم على وصولي، ثم صعدتُ إلى الإخوة في الطابق العلوي، حيث بيتُ أبي عمر، فوجدتُ الحبيبين أبا خبّاب، وأبا سُليمان، وأبلغني الإخوة بعد ذلك أنَّ أبا خبّاب كان متلهفًا للمجيء إلى البيت، مع أنه كان من المفروض ألاّ يكون هناك.

أقولُ في هذه اللّيلة جلستُ أتسامرُ مع بعض الإخوة، حتى بعد الثانية عشرة ليلًا نتذكر ما سلَفَ ونضحكُ لبعض المواقف. حتى قال لي أبو خبّاب"روح أنت عندك أولاد"، ثم استلقى على فراشِه وبدأ يستعدّ للنّوم، فتبسّمتُ وودعتهم ونزلتُ إلى بيتي.

وفي الساعة الثالثة فجرًا، دوّى انفجارٌ ضخمٌ ببيتي، فاستيقظتُ فزِعًا أنا وأهلي، فإذا بالدّخان يملأ الغرفة، وزجاجُ الغرفة متهشم، فللوهلة الأولى ظننتُ أنَّ عبوة انفجرت داخل البيت، حيث كنّا نعدُّ عبوات ناسفة نزرعها لقوّات الصّليب، لكني لم أفِق من الصّدمة إلاّ على صدمةٍ أخرى.

إذا بالميكروفون يذيع (نحن قوات التحالف، سلّموا أنفسكم خلال ثلاثين ثانية) ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت