رجع عن الإذن بعد قبضه لم يؤثر رجوعه؛ لأن الرهن قد لزم لاتصال القبض به. وكل موضع زال لزوم الرهن لزوال القبض اعتبر الإذن في القبض الثاني؛ لأنه قبض يلزم به الرهن أشبه الأول. ويقوم ما يدل على الإذن مقامه، مثل: إرساله العبد إلى مرتهنه ورده لما أخذه من المرتهن إلى يده ونحو ذلك؛ لأن ذلك دليل على الإذن. فاكتفي به؛ كدعاء الناس إلى الطعام وتقديمه بين أيديهم يجري مجرى الإذن في أكله.
مسألة: (والقبض فيه من وجهين. فإن كان مما ينقل فقبض المرتهن له أخذه إياه من راهنه منقولًا، وإن كان مما لا ينقل؛ كالدور والأرضين فقبضه تخلية راهنه بينه وبين مرتهنه لا حائل دونه) .
أما حصول القبض في الرهن كحصول القبض في البيع والهبة. فإن كان منقولًا فقبضه نقله أو تناوله، وإن كان أثمانًا أو شيئًا خفيفًا يمكن قبضه باليد فقبضه تناوله بها، وإن كان مكيلًا رهنه بالكيل أو موزونًا رهنه بالوزن فقبضه اكتياله [1] واتزانه.
وإن كان الرهن غير منقول؛ كالعقار والثمرة على الشجرة فقبضه التخلية بين مرتهنه وبينه من غير حائل، بأن يفتح له باب الدار ويسلم مفتاحها إليه. وإن خلى بينه وبينها وفيها قماش للراهن صح التسليم؛ لأن اتصالها بملك الراهن لا يمنع صحة التسليم؛ كالثمرة في الشجرة.
مسألة: (وإذا قبض الرهن من تشارطا أن يكون على يده صار مقبوضًا) .
إذا رضي المتراهنان بجعل الرهن على يدي رجل شرطاه جاز، وكان وكيلًا للمرتهن نائبًا عنه في القبض. فمتى قبضه صح قبضه في قول جماعة الفقهاء. منهم: أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي؛ لأنه قبض في عقد. فجاز فيه التوكيل؛ كسائر القبوض.
إذا ثبت هذا فإنه يجوز أن يجعلا الرهن على يدي من يجوز توكيله، وهو جائز التصرف، مسلمًا كان أو كافرًا، عدلًا أو فاسقًا، ذكرًا أو أنثى. ولا يجوز أن يكون صبيًا؛ لأنه غير جائز التصرف مطلقًا. فإن فعلا كان قبضه وعدم القبض واحدًا، ولا
عبدًا بغير إذن سيده؛ لأن منافع العبد لسيده فلا يجوز تضييعها في الحفظ بغير إذنه، فإن أذن له السيد جاز. وأما المكاتب فإن كان بجعل جاز؛ لأن له الكسب، وبذل منافعه بغير إذن السيد. وإن كان بغير جعل لم يجز؛ لأنه ليس له التبرع بمنافعه.
فصل
وما دام العدل بحاله لم يتغير عن الأمانة ولا حدثت بينه وبين أحدهما عداوة فليس لأحدهما ولا للحاكم نقل الرهن عن يده؛ لأنهما رضيا به في الابتداء. وإن اتفقا على نقله جاز؛ لأن الحق لهما لم يعدهما. وكذلك لو كان الرهن في يد المرتهن فلم يتغير حاله لم يكن للراهن ولا للحاكم نقله عن يده. فإن تغيرت حال العدل بفسق [2] ، أو ضعف عن الحفظ، أو حدثت عداوة بينه وبينهما أو بين أحدهما فلمن طلب نقله عن يده ذلك، ويضعانه في يد من يتفقان عليه. فإن اختلفا وضعه الحاكم على يد عدل، وإن اختلفا في تغير حاله بحث الحاكم وعمل بما يظهر له. وهكذا لو كان في يد المرتهن فتغيرت حاله في الثقة والحفظ. فللراهن رفعه عن يده إلى الحاكم ليضعه في يد عدل.
فصل
ولو أراد العدل رده عليهما فله ذلك وعليهما قبوله. وبهذا قال الشافعي؛ لأنه أمين متطوع بالحفظ فلا يلزمه المقام عليه. وإن امتنعا أجبرهما الحاكم، فإن تغيبا نصب الحاكم أمينًا بقبضه لهما؛ لأن للحاكم [3] ولاية على الممتنع من الحق الذي عليه. ولو دفعه إلى الأمين من غير امتناعهما ضمن وضمن الحاكم؛ لأنه لا ولاية له على غير الممتنع. وكذلك لو تركه العدل عند آخر مع وجودهما ضمن وضمن القابض. وإن امتنعا ولم يجد حاكمًا فتركه عند عدل آخر لم يضمن. وإن امتنع أحدهما لم يكن له دفعه إلى الآخر فإن فعل ضمن. والفرق بينهما: أن أحدهما يمسكه لنفسه والعدل
يمسكه لهما. هذا فيما إذا كانا حاضرين. فأما إذا كانا غائبين نظرت. فإن كان للعدل عذر من
(1) في الأصل: اكتاله. وما أثبتناه من المغني 4: 371.
(2) زيادة من المغني 4: 388.
(3) في الأصل: الحاكم. وما أثبتناه من المغني 4: 389.