تعالى: {لا تقتلوا الصيد} [المائدة:95] والصيد: ما جمع ثلاثة أشياء وهو: أن يكون مباحًا أكله، لا مالك له في الأصل، ممتنعًا، فيخرج بالوصف الأول: كل ما ليس بمأكول لا جزاء فيه كسباع البهائم، والمستخبث من الحشرات والطير وسائر المحرمات قال أحمد: إنما جعلت الكفارة في الصيد المحلل أكله، وهذا قول أكثر أهل العلم، إلا أنهم أوجبوا الجزاء في المتولد بين المأكول وغيره كالسِمع المتولد بين الضبع والذئب؛ تغليبًا لتحريم قتله، كما غلّبوا التحريم في أكله، وقال بعض أصحابنا: في أم حبين جدي، وأم حبين دابة منتفخة البطن. وهذا خلاف القياس. فإن أم حبين لا تؤكل؛ لكونها مستخبثة عند العرب. حكي أن رجلًا من البدو سُئل: ما تأكلون؟ قال: ما دب ودرج إلا أم حبين. فقال السائل: لتَهْن أم حبين العافية، وإنما تبعوا فيها قصة عثمان رضي الله عنه. فإنه قضى فيها بحلان وهو الجدي والحلام بالنون والميم: صغار الغنم. والصحيح: أنه لا شيء فيها، وفي الثعلب الجزاء شاة وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي؛ لأنه مأكول. وعن أحمد: أنه لا يؤكل فلا شيء فيه، وكذا الخلاف في كل ما اختلف في إباحة أكله لغير ضرورة.
الوصف الثاني: أن يكون وحشيًا وما ليس بوحشي لا يحرم على المحرم ذبحه ولا أكله؛ كبهيمة الأنعام كلها والخيل والدجاج ونحوها. لا نعلم بين أهل العلم في هذا خلافًا. والاعتبار في ذلك بالأصل لا بالحال. فلو استأنس الوحشي وجب فيه الجزاء. ولذلك وجب الجزاء في الحمام أهليه ووحشيه اعتبارًا بأصله. ولو توحش الأهلي لم يجب فيه شيء. وإن تولد من الوحشي والأهلي ولد ففيه الجزاء؛ تغليبًا للتحريم. كقولنا في المتولد بين المباح والمحرم.
الفصل الخامس: أن الجزاء إنما يجب في صيد البر دون صيد البحر بغير خلاف؛ لقول الله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ ولِلسَّيَّارَةِ وحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة:96] ، قال ابن عباس: طعامه ما لفظه، ولا فرق بين حيوان البحر الملح وبين ما في الأنهار والعيون، فإن اسم البحر يتناول الكل. قال الله: وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا