فالظاهر أن تجريد الميت فيما عدا العورة كان مشهورًا عندهم، ولم يكن هذا ليخفى عن النبي عليه السلام بل الظاهر أنه كان بأمره؛ لأنهم كانوا ينتهون إلى رأيه، ويصدرون عن أمره في الشرعيات، واتباع أمره وفعله أولى من اتباع غيره.
ولأن ما يخشى من تنجيس قميصه بما يخرج منه كان مأمونًا في حق النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه طيب حيًا وميتًا بخلاف غيره. وإنما قال سعد: (( الحدوا لي لحدًا، وانصبوا عليَّ اللبن نصبًا كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم ) ) [1] ، ولو ثبت أنه أراد الغسل فأمْر رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بالاتباع.
وأما ستر ما بين السرة والركبة فلا نعلم فيه خلافًا فإن ذلك عورة، وستر العورة مأمور به وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: (( لا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت ) ) [2] .
قال ابن عبد البر روي: (( الناظر من الرجال إلى فروج الرجال كالناظر منهم إلى فروج النساء، والمتكشف ملعون ) ).
مسألة: (والاستحباب أن لا يُغسَّل تحت السماء، ولا يحضُرُه إلا من يُعين في أمره ما دام يُغسَّل) .
المستحب أن يغسل الميت في بيت. وكان ابن سيرين يستحب أن يكون البيت الذي يغسل فيه مظلمًا. وذكره أحمد، فإن لم يكن جعل بينه وبين السماء سترًا.
وذكر القاضي أن عائشة قالت: (( أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نغسل ابنته فجعلنا بينها وبين السقف سِتْرًا ) ).
قال: وإنما استحب ذلك خشية أن يستقبل السماء بعورته.
وإنما كره أن يحضره من لا يعين في أمره؛ لأنه يكره النظر إلى الميت إلا لحاجة، ويستحب للحاضرين غض أبصارهم عنه إلا من حاجة، وسبب ذلك: ربما كان بالميت عيب يكتمه ويكره أن يطلع عليه بعد موته، وربما حدث منه أمر يكره الحي أن يطلع منه على مثله وربما ظهر منه شيء هو في الظاهر منكر فيتحدث به فيكون فضيحة له وربما
(1) ر. تخريج الحديث ما قبل السابق.
(2) أخرجه أبو داود في سننه (4015) 4: 40 كتاب الحمام، باب النهى عن التعري.