أحدهما: يجب؛ لأنهما من الوجه كما بينا فأشبها سائر أجزائه.
والثانية: لا يجب، فلو تركهما في وضوئه ثم صلى أتى بهما وأعاد الصلاة دون الوضوء بخلاف ما لو لم يرتب في بقية الأعضاء فإنه بعيد الوضوء نص على ذلك صريحًا في رواية كثير من أصحابه وهو الصحيح وبه قال حماد بن أبي سليمان؛ لما روي عن المقدام بن معدي كرب قال: (( أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فتوضأ فغسل كفيه ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا ثم مضمض واستنشق ثلاثًا ثلاثًا ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما ) ) [1] رواه أحمد وأبو داود.
وعن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة (( أنه توضأ فنسي أن يستنشق فلما ولى الغلام بالكوز أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بماء فاستنشق مرتين ) )رواه الأثرم.
ولأن وجوبهما بغير القرآن. والترتيب إنما وجب بين الأعضاء المذكورة في آية الوضوء؛ لأن فيها قرينة تدل عليه، وهو الفصل بممسوح بين مغسولين وقطع النظير عن نظيره ولم يوجد ذلك هاهنا، ومن هذه الرواية أخذ أبو الخطاب رواية التنكيس مطلقًا كذا بينه في الانتصار خلافًا لسائر الأصحاب وخصوا الروايتين بمورد نصه لتصريحه بالفرق ولم ينقل عنه نص آخر في جواز التنكيس، ووجه الفرق ما ذكرنا.
مسألة: (وغسل اليدين إلى المرفقين [ويدخل المرفقين في الغسل] [2] .
غسل اليدين فرض بالنص والإجماع ويدخل المرفقين في الغسل وهو قول الجمهور منهم أبو حنيفة وصاحباه ومالك والشافعي؛ لأن"إلى"ترد لانتهاء الغاية وترد بمعنى"مع"؛ كقوله تعالى: {وَيَزدْكُمْ قُوَّةً إلَى قُوَّتِكُمْ} [هود:52] أي: مع قوتكم وقوله: {مَنْ أَنْصَارِي إلَى اللَّهِ} [آل عمران:52] وقوله: {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء:2] فرجحناها هنا معنى"مع"لأربعة أوجه:
أحدها: هل أنه محتمل، والوضوء عبادة يحتاط لها.
(1) أخرجه أبو داود في سننه (121) 1: 30 كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرجه أحمد في مسنده (16737) طبعة إحياء التراث.
(2) زيادة من المغني 1: 107.