ولأن طرف الأنف لا يزال مفتوحًا ليس له ساتر بخلاف الفم. وعن أحمد أنهما واجبان في الكبرى مسنونان في الصغرى، وبه قال الحسن والنخعي وأبو حنيفة وأصحابه وروي ذلك عن ابن عباس؛ لأنه محل مستتر في الوجه فلم يجب غسله في الوضوء كباطن الشعور بل هما أولى؛ لأنه ظاهر بأصل الخلقة وهذا الوجه ما تقع به المواجهة غالبًا وداخل الفم والأنف لا تقع بهما المواجهة فتخرجا عن كونهما منه يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن عنبسة (( ما منكم من رجل يقرب وضوء فيمضمض ويستنشق فينثر إلا خرجت خطايا فيه وخياشيمه مع الماء ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا خرجت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء. . . الحديث ) ) [1] فأخبر أن غسل الوجه يتأخر عنهما، وكل من وصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه ذكر المضمضة والإستنشاق ثم غسل وجهه، وهذا إجماع منهم على أنهما ليسا من الوجه.
وعن أحمد يجب الإستنشاق في الوضوء دون الجنابة ولا تجب المضمضة فيهما ووجه هذه الرواية قوله عليه السلام: (( من توضأ فليستنشق ) ) [2] .
ووجه الرواية الأولى وهي أصح ما روى أبو داود في حديث لقيط بن صبرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا توضأت فمضمض ) ) [3] .
وعن حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة قال: (( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمضمضة والاستنشاق ) ) [4] رواه الدارقطني وقال: لم يسنده عن حماد غير هدبة وداود بن المحبر وغيرهما يرويه عنه عن عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يذكر فيه أبا هريرة. وهذا لا يضر؛ لأن هدبة ثقة [5] مخرج عنه في الصحيحين فيقبل رفعه وما ينفرد به، ثم المرسل عندنا حجة، واختصاص الاستنشاق بأوامر قوية صحيحة لا يوجب اختصاصه
(1) أخرجه البيهقي في سننه (387) 1: 81 باب فضيلة الوضوء.
(2) سبق قريبًا.
(3) أخرجه أبو داود في سننه (144) 1: 36 كتاب الطهارة، باب في الاستنثار.
(4) أخرجه الدارقطني في سننه 1: 115 كتاب الطهارة، باب ما روي في المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة.
(5) التقريب 1: 571.