ففرضه: التوجه إلى محارييهم وقبلتهم المنصوبة؛ لأن هذه القبل ينصبها أهل الخبرة والمعرفة. فجرى ذلك مجرى الخبر فأغنى عن الاجتهاد. وإن أخبره مخبر من أهل المعرفة بالقبلة. إما من أهل البلد أو من غيره صار إلى خبره وليس له الاجتهاد، كما يقبل الحاكم النص من الثقة ولا يجتهد.
الثالث: من فرضه الاجتهاد، وهو من عدم هاتين الحالتين، وهو عالم بالأدلة.
الرابع: من فرضه التقليد وهو الأعمى ومن لا اجتهاد له وعدم الحالين. ففرضه تقليد المجتهدين. والواجب على هذين وسائر من بعد من مكة طلب جهة الكعبة دون إصابة العين. قال أحمد رضي الله عنه: ما بين المشرق والمغرب قبلة. فإن انحرف عن القبلة قليلًا لم يعد، ولكن يتحرى الوسط. وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، وقال في الآخر: الفرض إصابة العين. وعن أحمد مثله؛ لقول الله تعالى: {وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه} [البقرة:144] .
ولأنه يجب عليه التوجه إلى الكعبة. فلزمه التوجه إلى عينها كالمعاين.
والأول أصح لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( ما بين المشرق والمغرب قبلة ) ) [1] رواه الترمذي وحسنه وصححه. وظاهره: أن جميع ما بينهما قبلة.
ولأنه لو كان الفرض إصابة العين لما صحت صلاة أهل الصف الطويل على خط مستو، ولا صلاة اثنين متباعدين يستقبلان قبلة واحدة، فإنه لا يجوز أن يتوجه إلى الكعبة مع طول الصف إلا بقدرها.
فإن قيل: مع البعد يتسع المحاذي. قلنا: إنما يتسع مع من هو من أهل الصف، أما مع استوائه فلا. وشطر البيت: نحوه وقِبَله.
والمجتهد في القبلة هو العالم بأدلتها وإن كان جاهلًا بأحكام الشرع، فإن كل من علم أدلة شيء كان من أهل الاجتهاد فيه وإن جهل غيره.
ولأنه يتمكن من استقبالها بدليله. فكان مجتهدًا فيها كالفقيه. ولو جهل الفقيه أدلتها
(1) أخرجه الترمذي في جامعه (344) 2: 171 أبواب الصلاة، باب ما جاء أن ما بين المشرق والمغرب قبلة.
وأخرجه ابن ماجة في سننه (1011) 1: 323 كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب القبلة.