ولأنه إحدى حالتي سير المسافر، فأبيحت الصلاة فيها كالأخرى.
والأول المذهب؛ لأنه لم ينقل ولا هو في معنى المنقول؛ لأنه يحتاج إلى عمل كثير ومشي متتابع يقطع الصلاة ومقتضى بطلانها غير موجود في الراكب. فلم يصح إلحاقه به.
ولأن قوله تعالى: {وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه} [البقرة:144] عام ترك في موضع الإجماع بشروط غير موجودة هاهنا. فيبقى وجوب الاستقبال فيما عداه على مقتضى العموم.
مسألة: (ولا يصلى في غير هاتين الحالتين فرضًا ولا نافلة إلا متوجهًا إلى الكعبة. فإن كان يعاينها فبالصواب. وإن كان غائبًا عنها فبالاجتهاد بالصواب إلى جهتها) .
قد ذكرنا أن استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة، ولا فرق بين الفريضة والنافلة؛ لأنه شرط للصلاة، فاستوى فيه الفرض والنفل كالطهارة والسترة.
ولأن قوله تعالى: {وَحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه} [البقرة:144] عام فيهما جميعًا، ثم إن كان معاينًا للكعبة ففرضه الصلاة إلى عينها. لا نعلم فيه خلافًا. قال ابن عقيل: لو خرج بعضه عن مسامتة [1] الكعبة لم تصح صلاته، وقال بعض أصحابنا: الناس في استقبال القبلة على أربعة أضرب:
منهم: من يلزمه اليقين، وهو من كان معاينًا للكعبة أو كان بمكة من أهلها، أو ناشئًا بها من وراء حائل محدث كالحيطان. ففرضه التوجه إلى عين الكعبة يقينًا. وهكذا إن كان بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه متيقن صحة قبلته، فإن النبي عليه السلام لا يُقر على الخطأ، وقد روى أسامة (( أن النبي صلى الله عليه وسلم ركع ركعتين قِبَل القبلة، وقال: هذه القبلة ) ) [2] .
الثاني: من فرضه الخبر، وهو من كان بمكة غائبًا عن الكعبة من غير أهلها، ووجد مخبرًا يخبره عن يقين أو مشاهدة، مثل: أن يكون من وراء حائل، وعلى الحائل من يخبره، أو كان غريبًا نزل بمكة، فأخبره أهل الدار. وكذلك لو كان في مصر أو قرية.
(1) في الأصل: مسامة. وما أثبتناه من المغني 1: 456.
(2) أخرجه أحمد في مسنده (21561) 5: 208.