وهذا يدل على دوام ذلك منه. والنبي عليه السلام أقرّه عليه ولم ينهه عنه فثبت جوازه. وروى زياد بن الحارث الصُّدائي قال: (( لما كان أول أذان الصبح أمرني النبي صلى الله عليه وسلم فأذنت، فجعلت أقول: أقيم أقيم يا رسول الله؟ فجعل ينظر إلى ناحية المشرق، فيقول: لا، حتى إذا طلع الفجر نزل، فبرز، ثم انصرف إليّ وقد تلاحق أصحابه، فتوضأ، فأراد بلال أن يقيم فقال النبي عليه السلام: إن أخا صداء قد أذن ومن أذن فهو يقيم قال: فأقمت ) ) [1] رواه أبو داود والترمذي.
وهذا قد أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالأذان قبل طلوع الفجر، وهذا حجة على من قال: إنما يجوز إذا كان له مؤذنان فإن زيادًا أذن وحده.
ويستحب أيضًا أن لا يؤذن قبل طلوع الفجر، إلا أن يكون معه مؤذن آخر يؤذن إذا أصبح. كفعل بلال وابن أم مكتوم اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولأنه إذا لم يكن كذلك لم يحصل الإعلام بالوقت المقصود بالأذان، فإذا كانا مؤذنين حصل الإعلام بالوقت بالثاني وبقربه بالمؤذن الأول.
مسألة: (ولا يستحب أبو عبد الله رضي الله عنه أن يؤذن إلا طاهرًا، فإن أذن جُنُبًا أعاد) .
المستحب للمؤذن أن يكون متطهرًا من الحدث الأصغر والجنابة جميعًا؛ لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا يؤذن إلا متوضئ ) ) [2] رواه الترمذي. وروي موقوفًا على أبي هريرة، وهو أصح من المرفوع.
وإن أذن محدثًا جاز؛ لأنه لا يزيد على قراءة القرآن، والطهارة غير مشروطة له،
(1) أخرجه أبو داود في سننه (514) 1: 142 كتاب الصلاة، باب في الرجل يؤذن ويقيم آخر.
وأخرجه الترمذي في جامعه (199) 1: 383 أبواب الصلاة، باب ما جاء أن من أذن فهو يقيم.
وأخرجه أحمد في مسنده (17572) 4: 169.
(2) أخرجه الترمذي في جامعه (200) مرفوعًا، وفي (201) موقوفًا 1: 389 أبواب الصلاة، باب ما جاء في كراهية الأذان بغير وضوء.
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 1: 397 مرفوعًا.
قال الترمذي: وهذا -أي الموقوف- أصح من الحديث الأول -أي المرفوع-. ثم قال: والزهري لم يسمع من أبي هريرة. وقال البيهقي: والصحيح رواية يونس وغيره عن الزهري قال: قال أبو هريرة.