الصفحة 133 من 166

3 -أن يكون لكلِّ قراءةٍ معنى مستقلٌّ، وهذا الأمرُ لا يخلو من حالين:

الأول: أن يكونَ الاختلافُ في القراءة راجعًا إلى ذاتٍ واحدةٍ، فيكونُ حُكْمًا لهذه الذات بمعاني هذه القراءات، ومن ذلك القراءات الواردةُ في قوله تعالى: {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} [التكوير: 24] ، فقد قُرئت بالضَّادِ، والمعنى: ما هو ببخيلٍ عليكم بالوحي الذي آتاه الله، فهو يُعلِّمكم ويرشدكم به.

وقرئت بالظاء «ظنين» ، والمعنى: ما هو بمتَّهمٍ في بلاغِه عن الله، فهو يبلغكم وحيه، لا يزيد فيه ولا ينقص [1] .

ومن ثَمَّ، فإن الرسول صلّى الله عليه وسلّم غير بخيلٍ بهذا الوحي، ولا متَّهم في أمانته به، فهو يؤديه كما سمعه.

الثاني: أنْ يكونَ الاختلافُ في القراءاتِ راجعًا إلى أكثرَ من ذاتٍ، فيكون لكلِّ ذاتٍ الحكمُ الخاصُّ بها من معنى قراءتِها، ومن ذلك ما وردَ في قوله تعالى: {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} [البروج: 15] ، فقد قُرِئَ لفظُ «المجيدِ» بالرفعِ والجرِّ.

فمن قرأ بالرَّفعِ، جعلَ المجيدَ من صفةِ «ذو» ، والمعنى: ذو العرشِ ـ وهو الله ـ مجيدٌ.

ومن قرأه بالجرِّ، جعله من صفةِ العرشِ، فالعرشُ هو المجيدُ.

تنبيه حول تفسير السلف وعلاقته بالقراءات:

مما يرد في تفسير السَّلفِ من الاختلافِ ما يمكنُ أن يكونَ سببه

(1) ينظر: المصادر السابقة عند الآية من سورة التكوير، وينظر من الأمثلة في ذلك: القراءات في لفظِ «حَمِئةٍ» من سورة الكهف، وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت