الصفحة 23 من 118

وهنا يظهر الفرق بين فن الممكن وفن المفترض؛ فن الممكن هو أنك تعمل ما بيدك خطوة خطوة حتى تصل للمفترض، وحتى تستطيع أن تعرف ما هو الممكن حتى به إلى المفترض تحتاج دراسة واضحة وحقيقية للواقع.

كثير من الأخطاء التي تقع فيها الجماعات الإسلامية، وكثير من الأخطاء التي يقع فيها الإخوة، وكثير من الأخطاء التي نقع فيها نحن؛ أننا نرى الأمور كما نريدها أن تكون، وليس على حقيقتها، نريد الآن أن هذا الموقف يعني أن العدو خاف منا فنرى هذا وإن لم يكن هذا الأمر له حقيقة على أرض الواقع.

نريد أننا كسبنا بهذا العمل شعبية فنرى هذا، ولكن هل فعلًا هذا هو الواقع؟ هل هذا هو الحاصل في أرض الميدان؟ هل كسبنا فيه شعبية أم هل خسرنا؟

فلا تنظر للأمور كما تحب أن تكون ولكن انظر للأمور بحقيقتها، وادرسها بواقعية، وانطلق بوضع استراتيجياتك سواء قلنا كانت مرحلية أو كانت عامة وكبرى على ضوء هذه الأمور.

يقول: [ويرى الجنرال (أندريه بوفر) أن الاستراتيجية ليست عقيدة جامدة ولكنها"أسلوب في التفكير"يسمح بدراسة الأحداث وتصنيفها بحسب أهميتها، واختيار الوسائل الفعالة الملائمة لها، فلكل موقف استراتيجية تتلاءم معه، فإذا طبقت استراتيجية موقف على موقف آخر غدت فاشلة وأدت إلى كارثة] .

هذا كلام مهم جدًا، فلكل موقف استراتيجية تتلاءم معه، ولكل مكان استراتيجية تتلاءم معه، ولكل زمان استراتيجية تتلاءم معه، وهذا لا يعني أن عندك خلل في المبدأ ولكن هناك أماكن لا يصلح لها إلّا الحجاج، ولا يصلح أن تضع فيها عمر بن عبد العزيز، ولكن هناك أماكن لا يصلح لها إلا عمر بن عبد العزيز، لا يصلح أن تضع فيها الحجاج، وفيه أماكن يصلح فيها عبد الله بن الزبير.

الحجاج عندما كان في مكانه ضبط العراق، ولكن عندما جاء المدينة أفسد، وعندما جاء مكة أفسد، فليس مكانه هنا، ليس هذا الأسلوب الذي تعامل به مع أهل هذه المناطق.

الشام يصلح لهم معاوية -رضي الله عنه- لأنه كسرى هذه الأمة كما قال عمر بن الخطاب وكسرى معروف بحكمته ودهائه وسياسة الأمور وإدارتها.

فالأمور يجب أن تُوزن، ولا يمكن أن تطبق الاستراتيجية نفسها في كل مكان، فلكل منطقة ما يناسبها ولكل زمان ما يناسبه ولكل وضع ما يناسبه، فلا بد أن تعرف فعلًا هذه المرحلة ماذا تريد، وهذا المكان ماذا يريد، سواء استراتيجية مرحلية أو استراتيجية عظمى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت