بسم الله الرحمن الرحيم
نواصل بإذن الله في تعليق الخواطر والنظرات كإشارات تستوعب جُمَلًا من الإلماحات التي تغني عن كثير من العبارات ليكون القراء من الألباء الذين تفيدهم الإشارة وتغنيهم عن تطويل العبارة.
ثانيًا: الدعوة على قاعدة العلم والرحمة:
هاتان هما الركيزتان اللتان لابد أن تبنى عليهما مسيرة الدعوة فلا ترفع الدعوة رأسًا ، ولا تضع أسًّا ، ولا ترد بأسًا إلا بالعلم"قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيْرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي".
فبالعلم تقدر المصالح والمفاسد وبه يفرق بين الوسائل والمقاصد فلا يختلط الحابل بالنابل ، وضده بضده فبالجهل يشتبه الحق بالباطل ويلتبس المليء بالعاطل ، وهذه من أعظم الآفات في مسيرة الدعاة ، فأعظم ما يكدر صفو الدعوة التباس الباطل بلبوس الحق ، وتزيي الكذب بزي الصدق ولا ينجلي ذلك إلا بالعلم"وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِيْنَ سَبِيْلُ الْمُجْرِمِيْنَ"فعلى قراءة رفع"سَبِيْلُ"يكون نفس تفصيل الآيات فيه استبانة لسبيل لمجرمين ، وعلى قراءة النصب يكون تفصيل الآيات وفهم الحجج والبينات وسيلة تهديك إلى استبانة سبيل المجرمين وكلاهما مؤد إلى المراد"وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًَا"فدرعك علمك ، وسلاحك اطلاعك وهذا في غاية الوضوح.
وأما الرحمة فهي حقيقة النبوة"وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِيْنَ""فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ"حقيقة الرحمة الحرص على هداية الخلق والشفقة عليهم مع دوام الرفق"فما دخل الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه".
فحقيقة الدعوة ألا تتكلم إلا برحمة ولا تفعل إلا برحمة حرصًا على الخير للبعيد والصديق واختيارًا لأهدى وأقوم طريق . فإن لم يكن سبيل إلا الشدة بصورها فذاك بقدر وهو خلاف الأصل المقرر ، ولا تكون إلا في النادر.