فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 97

فَيُعَوِّضُهُمْ بِمِثْلِهِ أَوْ خَيْرٍ مِنْهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَى أَنْ يَجِيءَ وَقْتُ نُزُولِهِ فَيُنْزِلُهُ أَيْضًا مَعَ مَا تَقَدَّمَ وَيَكُونُ مَا عَوَّضَهُ مِثْلَهُ أَوْ خَيْرًا مِنْهُ قَبْلَ نُزُولِهِ . وَأَمَّا مَا أَنْزَلَهُ إلَيْهِمْ وَلَمْ يَنْسَخْهُ فَهَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى بَدَلٍ وَلَوْ كَانَ كُلُّ مَا لَمْ يَنْسَخْهُ اللَّهُ يَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهُ أَوْ مِثْلِهِ لَزِمَ إنْزَالُ مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ . وَكَذَلِكَ إنْ قُدِّرَ أَنَّ الْمُرَادَ يُؤَخِّرُ نَسْخَهُ إلَى وَقْتٍ ثُمَّ يَنْسَخُهُ فَإِنَّهُ مَا دَامَ عِنْدَهُمْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى بَدَلٍ يَكُونُ مِثْلَهُ أَوْ خَيْرًا مِنْهُ وَإِنَّمَا الْبَدَلُ لِمَا لَيْسَ عِنْدَهُمْ مِمَّا أَنْسَوْهُ أَوْ أَخَّرَ نُزُولَهُ فَلَمْ يُنْزِلْهُ بَعْدُ وَلِهَذَا لَمْ يَجْعَلْ الْبَدَلَ لِكُلِّ مَا لَمْ يُنْزِلْهُ بَلْ لِمَا نَسَأَهُ فَأَخَّرَ نُزُولَهُ إذْ لَوْ كَانَ كُلُّ مَا لَمْ يَنْزِلْ يَكُونُ لَهُ بَدَلٌ لَزِمَ إنْزَالُ مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ بَلْ مَا كَانَ يُعْلَمُ أَنَّهُ سَيُنْزِلُهُ وَقَدْ أَخَّرَ نُزُولَهُ يَكُونُونَ فَاقِدِيهِ إلَى حِينِ يَنْزِلُ كَمَا يَفْقِدُونَ مَا نَزَلَ ثُمَّ نُسِخَ فَيَجْعَلُ سُبْحَانَهُ لِهَذَا بَدَلًا وَلِهَذَا بَدَلًا . وَأَمَّا مَا أَنْزَلَهُ وَأَقَرَّهُ عِنْدَهُمْ وَأَخَّرَ نُسَخَهُ إلَى وَقْتٍ فَهَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى بَدَلٍ فَإِنَّهُ نَفْسُهُ بَاقٍ . وَلَوْ كَانَ هَذَا مُرَادًا لَكَانَ كُلُّ قُرْآنٍ قَدْ نَسَخَهُ يَجِبُ أَنْ يَنْزِلَ قَبْلَ نَسْخِهِ مَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ خَيْرٌ مِنْهُ ثُمَّ إذَا نَسَخَهُ يَأْتِي بِخَيْرٍ مِنْهُ أَوْ مِثْلِهِ فَيَكُونُ لِكُلِّ مَنْسُوخٍ بَدَلَانِ: بَدَلٌ قَبْلَ نَسْخِهِ وَبَدَلٌ بَعْدَ نَسْخِهِ . وَالْبَدَلُ الَّذِي قَبْلَ نَسْخِهِ لَا ابْتِدَاءَ لِنُزُولِهِ فَيَجِبُ أَنْ يَنْزِلَ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ فَيَلْزَمُ نُزُولُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي أَوَّلِ الْوَحْيِ وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا . فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا يَلْزَمُ فِيمَا أَخَّرَهُ فَلَمْ يُنْزِلْهُ فَإِنَّ لَهُ بَدَلًا وَلَا وَقْتَ لِنُزُولِ ذَلِكَ الْبَدَلِ قِيلَ: مَا أَخَّرَ نُزُولِهِ وَهُوَ يُرِيدُ إنْزَالَهُ مَعْلُومٌ وَالْبَدَلُ الَّذِي هُوَ مِثْلُهُ أَوْ خَيْرٌ مِنْهُ يُؤْتَى بِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَإِنَّ الْقُرْآنَ مَا زَالَ يَنْزِلُ وَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَا أَنَّ كُلَّ مَا أَخَّرَ نُزُولَهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْزِلَ قَبْلَهُ مَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ خَيْرٌ مِنْهُ وَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ فَإِنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ الْقُرْآنِ نُزُولُهُ لَمْ يُنْسَخْ كَثِيرٌ مِنْهُ خَيْرٌ مِمَّا تَأَخَّرَ نُزُولُهُ كَالْآيَاتِ الْمَكِّيَّةِ فَإِنَّ فِيهَا مِنْ بَيَانِ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْمَعَادِ وَأُصُولِ الشَّرَائِعِ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ تَفَاصِيلِ الشَّرَائِعِ كَمَسَائِلِ الرِّبَا وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . فَهَذَا الَّذِي أَخَّرَهُ اللَّهُ مِثْلَ آيَةِ الرِّبَا فَإِنَّهَا مِنْ أَوَاخِرِ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهَا آخِرُ مَا نَزَلَ وَكَذَلِكَ آيَةُ الدَّيْنِ وَالْعِدَّةِ وَالْحَيْضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ قَبْلَهُ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ مِنْ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا مِنْ الشَّرَائِعِ مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْ هَذَا وَفِيهَا مِنْ الْأُصُولِ مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْ هَذَا . وَلِهَذَا كَانَتْ سُورَةُ"الْأَنْعَامِ"أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهَا وَكَذَلِكَ سُورَةُ"يس"وَنَحْوُهَا مِنْ السُّوَرِ الَّتِي فِيهَا أُصُولُ الدِّينِ الَّتِي اتَّفَقَ عَلَيْهَا الرُّسُلُ كُلُّهُمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ . وَلِهَذَا كَانَتْ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } مَعَ قِلَّةِ حُرُوفِهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ ؛ لِأَنَّ فِيهَا التَّوْحِيدَ فَعُلِمَ أَنَّ آيَاتِ التَّوْحِيدِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا وَفَاتِحَةُ الْكِتَابِ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ بِلَا رَيْبٍ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ } وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: { هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيته } وَسُورَةُ الْحِجْرِ مَكِّيَّةٌ بِلَا رَيْبٍ وَفِيهَا كَلَامُ مُشْرِكِي مَكَّةَ وَحَالُهُ مَعَهُمْ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ اللَّهُ يَنْسَؤُهُ فَيُؤَخِّرُ نُزُولَهُ مِنْ الْقُرْآنِ كَانَ يَنْزِلُ قَبْلَهُ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ و { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } مَكِّيَّةٌ بِلَا رَيْبٍ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ . وَقَدْ قِيلَ إنَّهَا مَدَنِيَّةٌ وَهُوَ غَلَطٌ ظَاهِرٌ . وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْفَاتِحَةُ لَمْ تَنْزِلْ إلَّا بِالْمَدِينَةِ غَلَطٌ بِلَا رَيْبٍ . وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَعَنَا أَدِلَّةٌ صَحِيحَةٌ تَدُلُّنَا عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ مَنْ قَالَ إنَّهَا مَكِّيَّةٌ مَعَهُ زِيَادَةُ عَلَمٍ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت