فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 97

وَالْعَدْلِ الَّذِي يَقِيسُونَ بِهِ الرَّبَّ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ بِدَعِهِمْ الَّتِي ضَلُّوا بِهَا وَخَالَفُوا بِهَا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَكَذَلِكَ مَنْ قَابَلَهُمْ فَنَفَى حِكْمَةَ الرَّبِّ الثَّابِتَةَ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ وَمَا كَتَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الرَّحْمَةِ وَمَا حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الظُّلْمِ وَمَا جَعَلَهُ لِلْمَخْلُوقَاتِ وَالْمَشْرُوعَاتِ مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي شَهِدَ بِهَا النَّصَّ مَعَ الْعَقْلِ وَالْحِسِّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهَا سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّةُ الدِّينِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } وَقَوْلِهِ تَعَالَى: { فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ } وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَقَاوِيلَ أَصْلُهَا مَأْخُوذٌ مِنْ الْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ إمَامِ غُلَاةِ الْمُجَبِّرَةِ وَكَانَ يُنْكِرُ رَحْمَةَ الرَّبِّ وَيَخْرُجُ إلَى الْجَذْمَى فَيَقُولُ: أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ يَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهُ مَا ثَمَّ إلَّا إرَادَةٌ رَجَّحَ بِهَا أَحَدَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ بِلَا مُرَجِّحٍ لَا لِحِكْمَةِ وَلَا رَحْمَةٍ . وَلِهَذَا كَانَ الَّذِينَ وَافَقُوهُ عَلَى قَوْلِهِ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يَتَنَاقَضُونَ لِأَنَّهُمْ إذَا خَاضُوا فِي الشَّرْعِ احْتَاجُوا أَنْ يَسْلُكُوا مَسَالِكَ أَئِمَّةِ الدِّينِ فِي إثْبَاتِ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ وَمَا فِيهَا مِنْ الْأَمْرِ بِمَصَالِحِ الْعِبَادِ وَمَا يَنْفَعُهُمْ مِنْ النَّهْيِ عَنْ مَفَاسِدِهِمْ وَمَا يَضُرُّهُمْ وَأَنَّ الرَّسُولَ الَّذِي بُعِثَ بِهَا بُعِثَ رَحْمَةً كَمَا قَالَ تَعَالَى: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } وَقَدْ وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ } { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ } فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَأْمُرُ بِمَا هُوَ مَعْرُوفٌ وَيَنْهَى عَمَّا هُوَ مُنْكَرٌ وَيُحِلُّ مَا هُوَ طَيِّبٌ وَيُحَرِّمُ مَا هُوَ خَبِيثٌ . وَلَوْ كَانَ الْمَعْرُوفُ لَا مَعْنَى لَهُ إلَّا الْمَأْمُورُ بِهِ وَالْمُنْكَرُ لَا مَعْنَى لَهُ إلَّا مَا حُرِّمَ لَكَانَ هَذَا كَقَوْلِ الْقَائِلِ: يَأْمُرُهُمْ بِمَا يَأْمُرُهُمْ وَيَنْهَاهُمْ عَمَّا يَنْهَاهُمْ وَيُحِلُّ لَهُمْ مَا أَحَلَّ لَهُمْ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ . وَهَذَا كَلَامٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَفْضِيلٌ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَمَرَ بِأَمْرِ يُوصَفُ بِذَلِكَ وَكُلُّ نَبِيٍّ بُعِثَ فَهَذِهِ حَالُهُ . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: { فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } فَعُلِمَ أَنَّ الطَّيِّبَ وَصْفٌ لِلْعَيْنِ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ يُحَرِّمُهَا مَعَ ذَلِكَ عُقُوبَةً لِلْعِبَادِ كَمَا قَالَ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ مَا حَرَّمَهُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ: { ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } وَقَالَ تَعَالَى: { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ } فَلَوْ كَانَ مَعْنَى الطَّيِّبِ هُوَ مَا أُحِلَّ كَانَ الْكَلَامُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ . فَعُلِمَ أَنَّ الطَّيِّبَ وَالْخَبِيثَ وَصْفٌ قَائِمٌ بِالْأَعْيَانِ . وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مُجَرَّدَ الْتِذَاذِ الْأَكْلِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَلْتَذُّ بِمَا يَضُرُّهُ مِنْ السُّمُومِ وَمَا يَحْمِيهِ الطَّبِيبُ مِنْهُ وَلَا الْمُرَادُ بِهِ الْتِذَاذَ طَائِفَةٍ مِنْ الْأُمَمِ كَالْعَرَبِ وَلَا كَوْنُ الْعَرَبِ تَعَوَّدَتْهُ ؛ فَإِنَّ مُجَرَّدَ كَوْنِ أُمَّةٍ مِنْ الْأُمَمِ تَعَوَّدَتْ أَكْلَهُ وَطَابَ لَهَا أَوْ كَرِهَتْهُ لِكَوْنِهِ لَيْسَ فِي بِلَادِهَا لَا يُوجِبُ أَنْ يُحَرِّمَ اللَّهُ عَلَى جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ مَا لَمْ تَعْتَدْهُ طِبَاعُ هَؤُلَاءِ وَلَا أَنْ يُحِلُّ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ مَا تَعَوَّدُوهُ . كَيْفَ وَقَدْ كَانَتْ الْعَرَبُ قَدْ اعْتَادَتْ أَكْلَ الدَّمِ وَالْمَيْتَةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت