فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 97

مَعَانٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَعَلَى أَصْلِهِ لَيْسَ الْمَعْنَى إلَّا وَاحِدًا فَيَمْتَنِعُ بِالضَّرُورَةِ الْعَقْلِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ الْعَرَبِيُّ كُلُّهُ وَالتَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَسَائِرُ مَا يُضَافُ إلَى اللَّهِ مِنْ الْعِبَارَاتِ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ لَا يَتَعَدَّدُ وَلَا يَتَبَعَّضُ وَحِينَئِذٍ فَتَبَعُّضُ الْعِبَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَعَانِي بِدُونِ تَبَعُّضِ تِلْكَ الْمَعَانِي مُمْتَنِعٌ . وَلِهَذَا قِيلَ لَهُمْ: مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا سَمِعَ كَلَامَ اللَّهِ أَسْمَعَهُ كُلَّهُ أَمْ سَمِعَ بَعْضَهُ ؟ إنْ قُلْتُمْ:"كُلَّهُ"فَقَدْ عَلِمَ كُلَّ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ وَمَا أَمَرَ بِهِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ الْخَضِرَ قَالَ لَهُ { مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُك مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إلَّا كَمَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ } وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } . وَإِنْ قُلْتُمْ"سَمِعَ بَعْضَهُ"فَقَدْ تَبَعَّضَ وَعِنْدَكُمْ لَا يَتَبَعَّضُ . وَأَيْضًا فَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ تَكْلِيمِهِ لِمُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَبَيْنَ إيحَائِهِ إلَى غَيْرِهِ مِنْ النَّبِيِّينَ وَفَرَّقَ بَيْنَ الْإِيحَاءِ وَبَيْنَ التَّكْلِيمِ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ فَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا لَكَانَ الْجَمِيعُ إيحَاءً وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَكْلِيمٌ يَتَمَيَّزُ عَلَى ذَلِكَ . وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ تَعَالَى مُنَادِيًا لِأَحَدِ إذْ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ لَا يَكُونُ نِدَاءً وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِنِدَائِهِ فِي الْقُرْآنِ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ . وَعَلَى هَذَا فَمَنْ قَالَ مِنْ هَؤُلَاءِ: إنَّ كَلَامَ اللَّهِ لَا يَفْضُلُ بَعْضُهُ بَعْضًا فَحَقِيقَةُ قَوْلِهِ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُمْتَنِعَةٌ فَلَيْسَ هُنَاكَ أَمْرَانِ حَتَّى يُقَالَ إنَّ أَحَدَهُمَا يَكُونُ مِثْلَ الْآخَرِ أَوْ أَفْضَلَ مِنْهُ . وَالتَّمَاثُلُ وَالتَّفَاضُلُ إنَّمَا يُعْقَلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا . وَهَكَذَا عِنْدَ هَؤُلَاءِ فِي إرَادَتِهِ وَعِلْمِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ فَكُلُّ مَنْ جَعَلَ الصِّفَةَ وَاحِدَةً بِالْعَيْنِ امْتَنَعَ - عَلَى قَوْلِهِ - أَنْ يُقَالَ: هَلْ بَعْضُهَا أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ أَمْ لَا ؟ إذْ لَا بَعْضَ لَهَا عِنْدَهُ . وَكَذَلِكَ مَنْ وَافَقَ هَؤُلَاءِ عَلَى وَحْدَةِ هَذِهِ الصِّفَاتِ بِالْعَيْنِ وَقَالَ: إنَّ كَلَامَ اللَّهِ حُرُوفٌ قَدِيمَةُ الْأَعْيَانِ أَوْ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ قَدِيمَةُ الْأَعْيَانِ سَوَاءٌ قَالَ مَعَ ذَلِكَ إنَّهَا أَعْيَانُ الْأَصْوَاتِ الْمَسْمُوعَةِ مِنْ الْقُرَّاءِ أَوْ قَالَ إنَّهَا بَعْضُ الْأَصْوَاتِ الْمَسْمُوعَةِ مِنْ الْقُرَّاءِ . وَإِنْ كَانَ فَسَادُ ذَلِكَ مَعْلُومًا بِالِاضْطِرَارِ وَقَالَ أَنَّ هَذِهِ الْأَصْوَاتَ غَيْرُ تِلْكَ . فَمَنْ قَالَ بِأَنَّ الْكَلَامَ حُرُوفٌ أَوْ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ مُقْتَرِنٌ بَعْضُهَا بِبَعْضِ أَزَلًا وَأَبَدًا وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ فَقَوْلُهُ مَعْلُومُ الْفَسَادِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُقَلَاءِ كَمَا أَنَّ مَنْ جَعَلَهَا قَوْلًا وَاحِدًا فَقَوْلُهُ مَعْلُومُ الْفَسَادِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُقَلَاءِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَيَمْتَنِعُ مَعَ الْقَوْلِ بِوَحْدَةِ شَيْءٍ أَنْ يُقَالَ: هَلْ بَعْضُهُ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ أَمْ لَا ؟ وَأَمَّا مَنْ أَثْبَتَ مَا يَتَعَدَّدُ مِنْ الْمَعَانِي وَالْحُرُوفِ أَوْ أَحَدِهِمَا فَهَذَا يُعْقَلُ عَلَى قَوْلِهِ: السُّؤَالُ عَنْ التَّمَاثُلِ وَالتَّفَاضُلِ . ثُمَّ حِينَئِذٍ يَقَعُ السُّؤَالُ: هَلْ يَتَفَاضَلُ كَلَامُ اللَّهِ وَصِفَاتُهُ وَأَسْمَاؤُهُ أَمْ لَا يَقَعُ التَّفَاضُلُ إلَّا فِي الْمَخْلُوقِ ؟ . وَعَلَى هَذَا فَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ حَيْثُ قَالَ: قَالَ الْمُهَلَّبُ - وَحَكَاهُ عَنْ الْأَصِيلِيَّ - وَمَذْهَبِ الْأَشْعَرِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ وَابْنِ أَبِي زَيْدٍ والداودي وَأَبِي الْحَسَنِ الْقَابِسِيِّ وَجَمَاعَةِ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَفْضُلُ بَعْضُهُ بَعْضًا إذْ كُلُّهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَتُهُ وَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَلَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ إلَّا فِي الْمَخْلُوقَاتِ هُوَ نَقْلٌ لِأَقْوَالِ هَؤُلَاءِ بِحَسَبِ مَا ظَنَّهُ لَازِمًا لَهُمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت