مَا تَرَكَهُ بِسُجُودِ السَّهْوِ . وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ وَاجِبٌ لِأَنَّ مِنْ الْوَاجِبَاتِ عِنْدَهُمْ مَا إذَا تَرَكَهُ سَهْوًا لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ . كَمَا لَا تَبْطُلُ بِالزِّيَادَةِ سَهْوًا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَلَوْ زَادَ عَمْدًا لَبَطَلَتْ الصَّلَاةُ . لَكِنَّ مَالِكًا وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمَا يَقُولَانِ: مَا كَانَ وَاجِبًا إذَا تَرَكَهُ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِذَا تَرَكَهُ سَهْوًا فَمِنْهُ مَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَمِنْهُ مَا يَنْجَبِرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ فَتَرْكُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِرَاءَةِ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ مُطْلَقًا وَتَرْكُ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ عِنْدَهُمَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ عَمْدُهُ وَيَجِبُ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ . وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَيَقُولُ: الْوَاجِبُ الَّذِي لَيْسَ بِفَرْضِ - كَالْفَاتِحَةِ - إذَا تَرَكَهُ كَانَ مُسِيئًا وَلَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ . وَالشَّافِعِيُّ لَا يُفَرِّقُ فِي الصَّلَاةِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْوَاجِبِ . وَلَكِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَجِّ هُوَ وَسَائِرُ الْأَئِمَّةِ . وَالْمَقْصُودُ هُنَا ذِكْرُ بَعْضِ مَنْ قَالَ إنَّ الْفَاتِحَةَ أَشْرَفُ مِنْ غَيْرِهَا . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَأَمَّا { قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأبي . هَلْ تَعْلَمُ سُورَةً مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَا فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْقُرْآنِ مِثْلَهَا ؟ } فَمَعْنَاهُ مِثْلُهَا فِي جَمْعِهَا لِمَعَانِي الْخَيْرِ لِأَنَّ فِيهَا الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ وَمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الْحَمْدِ الَّذِي هُوَ لَهُ حَقِيقَةٌ لَا لِغَيْرِهِ لِأَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ وَخَيْرٍ مِنْهُ لَا مِنْ سِوَاهُ فَهُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ وَهُوَ مَحْمُودٌ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ حُمِدَ غَيْرُهُ فَإِلَيْهِ يَعُودُ الْحَمْدُ . وَفِيهَا التَّعْظِيمُ لَهُ وَأَنَّهُ الرَّبُّ لِلْعَالَمِ أَجْمَعَ وَمَالِكُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَهُوَ الْمَعْبُودُ وَالْمُسْتَعَانُ . وَفِيهَا تَعْلِيمُ الدُّعَاءِ وَالْهُدَى وَمُجَانَبَةُ طَرِيقِ مَنْ ضَلَّ وَغَوَى . وَالدُّعَاءُ لُبَابُ الْعِبَادَةِ فَهِيَ أَجْمَعُ سُورَةٍ لِلْخَيْرِ لَيْسَ فِي الْكُتُبِ مِثْلُهَا عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ . قَالَ: وَقَدْ قِيلَ إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ بِهَا دُونَ غَيْرِهَا وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُهَا عَنْهَا . وَلَيْسَ هَذَا بِتَأْوِيلِ مُجْتَمَعٍ عَلَيْهِ . قُلْت: يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ فِي هَذَا نِزَاعًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ كَوْنُ الصَّلَاةِ لَا تُجْزِئُ إلَّا بِهَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَصْفَ الْأَوَّلَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ أَنَّهَا أَفْضَلُ السُّوَرِ .