فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 97

وَسَنُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الْفَاتِحَةِ وَلَا أَنَّهَا يَكْتَفِي بِتِلَاوَتِهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عَنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ بَلْ قَدْ كَرِهَ السَّلَفُ أَنْ تُقْرَأَ إذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً كَمَا كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ فَإِنَّ الْقُرْآنَ يُقْرَأُ كَمَا كُتِبَ فِي الْمُصْحَفِ لَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ وَالتَّكْبِيرُ الْمَأْثُورُ عَنْ ابْنِ كَثِيرٍ لَيْسَ هُوَ مُسْنَدًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُسْنِدْهُ أَحَدٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا البزي وَخَالَفَ بِذَلِكَ سَائِرَ مَنْ نَقَلَهُ فَإِنَّهُمْ إنَّمَا نَقَلُوهُ اخْتِيَارًا مِمَّنْ هُوَ دُونَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَانْفَرَدَ هُوَ بِرَفْعِهِ وَضَعْفِهِ نَقَلَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَالرِّجَالِ مِنْ عُلَمَاءِ الْقِرَاءَةِ وَعُلَمَاءِ الْحَدِيثِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ . فَالْمَقْصُودُ أَنَّ مِنْ السُّنَّةِ فِي الْقُرْآنِ أَنْ يُقْرَأَ كَمَا فِي الْمَصَاحِفِ وَلَكِنْ إذَا قُرِئَتْ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } مُفْرَدَةً تُقْرَأُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَمَنْ قَرَأَهَا فَلَهُ مِنْ الْأَجْرِ مَا يَعْدِلُ ثُلُثَ أَجْرِ الْقُرْآنِ لَكِنَّ عَدْلَ الشَّيْءِ - بِالْفَتْحِ - يَكُونُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ . وَالثَّوَابُ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ كَمَا أَنَّ الْأَمْوَالَ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ: مِنْ مَطْعُومٍ وَمَشْرُوبٍ وَمَلْبُوسٍ وَمَسْكُونٍ وَنَقْدٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَإِذَا مَلَكَ الرَّجُلُ مِنْ أَحَدِ أَجْنَاسِ الْمَالِ مَا يَعْدِلُ أَلْفَ دِينَارٍ مَثَلًا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْ سَائِرِ أَجْنَاسِ الْمَالِ بَلْ إذَا كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ وَهُوَ طَعَامٌ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى لِبَاسٍ وَمَسْكَنٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مِنْ جِنْسٍ غَيْرِ النَّقْدِ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا النَّقْدُ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى جَمِيعِ الْأَنْوَاعِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَى أَنْوَاعِهَا وَمَنَافِعِهَا . وَالْفَاتِحَةُ فِيهَا مِنْ الْمَنَافِعِ ثَنَاءٌ وَدُعَاءٌ مِمَّا يَحْتَاجُ النَّاسُ إلَيْهِ مَا لَا تَقُومُ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ أَجْرُهَا عَظِيمًا فَذَلِكَ الْأَجْرُ الْعَظِيمُ إنَّمَا يَنْتَفِعُ بِهِ صَاحِبُهُ مَعَ أَجْرِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَلِهَذَا لَوْ صَلَّى بِهَا وَحْدَهَا بِدُونِ الْفَاتِحَةِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ إلَّا الْفَاتِحَةَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِأَنَّ مَعَانِيَ الْفَاتِحَةِ فِيهَا الْحَوَائِجُ الْأَصْلِيَّةُ الَّتِي لَا بُدَّ لِلْعِبَادِ مِنْهَا وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبُيِّنَ أَنَّ مَا فِي الْفَاتِحَةِ مِنْ الثَّنَاءِ وَالدُّعَاءِ وَهُوَ قَوْلُ: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } هُوَ أَفْضَلُ دُعَاءٍ دَعَا بِهِ الْعَبْدُ رَبَّهُ وَهُوَ أَوْجَبُ دُعَاءٍ دَعَا بِهِ الْعَبْدُ رَبَّهُ وَأَنْفَعُ دُعَاءٍ دَعَا بِهِ الْعَبْدُ رَبَّهُ فَإِنَّهُ يَجْمَعُ مَصَالِحَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْعَبْدُ دَائِمًا مُحْتَاجٌ إلَيْهِ لَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فَلَوْ حَصَلَ لَهُ أَجْرُ تِسْعَةِ أَعْشَارِ الْقُرْآنِ - دَعْ ثُلُثَهُ - وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَقْصُودُ هَذَا الدُّعَاءِ لَمْ يَقُمْ مَقَامَهُ وَلَمْ يَسُدَّ مَسَدَّهُ . وَهَذَا كَمَا لَوْ قُدِّرَ أَنَّ الرَّجُلَ تَصَدَّقَ بِصَدَقَاتِ عَظِيمَةٍ وَجَاهَدَ جِهَادًا عَظِيمًا يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مَرَّاتٍ وَهُوَ لَمْ يُصَلِّ ذَلِكَ الْيَوْمَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ لَمْ يَقُمْ ثَوَابُ هَذِهِ الْأَعْمَالِ مَقَامَ هَذِهِ كَمَا لَوْ كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالرَّقِيقِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعَقَارِ أَمْوَالٌ عَظِيمَةٌ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَتَغَدَّى بِهِ وَيَتَعَشَّى مِنْ الطَّعَامِ فَإِنَّهُ يَكُونُ جَائِعًا مُتَأَلِّمًا فَاسِدَ الْحَالِ وَلَا يَقُومُ مَقَامَ الطَّعَامِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ تِلْكَ الْأَمْوَالُ الْعَظِيمَةُ وَلِهَذَا قَالَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت