فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 97

مَنْ عَذَّبَ قَوْمَهُ ؛ لَا تَدُلُّ عَلَى نُبُوَّةِ الْمُتَأَخِّرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ جِنْسِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْأَوَّلُ . وَهَذِهِ الْأُمُورُ كُلُّهَا مَوْجُودَةٌ فِي الْإِلَهِيَّاتِ وَزِيَادَةٌ فَإِنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ فِيهَا بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ: { وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ } وَقَوْلِهِ: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلَّا نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } وَقَوْلِهِ: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ قَصَّ أَخْبَارَهُمْ كَنُوحِ وَهُودٍ وَصَالِحٍ وَشُعَيْبٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: { يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُهُ } بَلْ يَفْتَتِحُ دَعْوَتَهُ بِذَلِكَ وَذَكَرَ تَعَالَى عَنْ الْأَنْبِيَاءِ وَأُمَمِهِمْ مِنْ نُوحٍ إلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ . وَأَيْضًا فَالْإِلَهِيَّاتُ الَّتِي تُعْلَمُ مِنْهَا قُدْرَةُ الرَّبِّ وَإِرَادَتُهُ وَحِكْمَتُهُ وَأَفْعَالُهُ: مِنْهَا يُعْلَمُ النَّبِيُّ مِنْ الْمُتَنَبِّئِ وَمِنْهَا يُعْلَمُ صِدْقُ النَّبِيِّ فَهِيَ أَدَلُّ عَلَى صِدْقِ النَّبِيِّ مِنْ مُجَرَّدِ الْقَصَصِ وَمَا فِي الْقَصَصِ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى صِدْقِهِ إنَّمَا يَدُلُّ مَعَ الْإِلَهِيَّاتِ وَإِلَّا فَلَوْ تَجَرَّدَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى شَيْءٍ فَالنُّبُوَّةُ مُرْتَبِطَةٌ بِالْإِلَهِيَّاتِ أَعْظَمُ مِنْ ارْتِبَاطِهَا بِغَيْرِهَا وَالْأَنْبِيَاءُ إنَّمَا بُعِثُوا بِالدَّعْوَةِ إلَى اللَّهِ وَحْدَهُ وَقَدْ يَذْكُرُونَ الْمَعَادَ مُجْمَلًا وَمُفَصَّلًا وَالْقَصَصُ قَدْ يَذْكُرُ بَعْضُهُمْ بَعْضَهَا مُجْمَلًا . وَأَمَّا الْإِلَهِيَّاتُ فَهِيَ الْأَصْلِ وَلَا بُدَّ مِنْ تَفْصِيلِ الْأَمْرِ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ فَلَا بُدَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنْ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ: الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ . وَالْأُصُولُ الْكُلِّيَّةُ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا الْأَنْبِيَاءُ يَذْكُرُهَا اللَّهُ فِي السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ مِثْلَ الْأَنْعَامِ وَالْأَعْرَافِ وَذَوَاتِ ( { الر } وَ ( { طسم } وَ ( { حم } وَأَكْثَرِ الْمُفَصَّلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَالْمَدَنِيَّاتُ تَتَضَمَّنُ خِطَابَ مَنْ آمَنَ بِجِنْسِ الرُّسُلِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِالشَّرَائِعِ الَّتِي بُعِثَ بِهَا خَاتَمُ الرُّسُلِ . وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ هَذَا فِي شَخْصٍ بِعَيْنِهِ فَفِي غَايَةِ الْفَسَادِ لَفْظًا وَمَعْنًى . ثُمَّ أَنَّ اللَّهَ إنَّمَا يَخُصُّ الشَّيْءَ الْمُعَيَّنَ بِحُكْمِ يَخُصُّهُ لِمَعْنَى يَخْتَصُّ بِهِ كَمَا { قَالَ لِأَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ - وَكَانَ قَدْ ذَبَحَ فِي الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ - قَبْلَ أَنْ يُشَرِّعَ لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الذَّبْحَ يَكُونُ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَلَمَّا قَالَ النَّبِيُّ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلُ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَذْبَحُ فَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ فَإِنَّمَا هِيَ شَاةُ لَحْمٍ قَدَّمَهَا لِأَهْلِهِ ذَكَرَ لَهُ أَبُو بُرْدَةَ أَنَّهُ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَذَكَرَ لَهُ أَنَّ عِنْدَهُ عَنَاقًا خَيْرًا مِنْ جَذَعَةٍ فَقَالَ: تُجْزِئُ عَنْك وَلَا تُجْزِئُ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَك } فَخَصَّهُ بِهَذَا الْحُكْمِ لِأَنَّهُ كَانَ مَعْذُورًا فِي ذَبْحِهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ ؛ إذْ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ شَرْعِ الْحُكْمِ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الذَّبْحُ مَنْهِيًّا عَنْهُ بَعْدُ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلَّا هَذَا السِّنُّ وَأَمَّا أَمْرُهُ لِامْرَأَةِ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عتبة أَنْ تُرْضِعَ سَالِمًا مَوْلَاهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ لِيَصِيرَ لَهَا مُحَرَّمًا فَهَذَا مِمَّا تَنَازَعَ فِيهِ السَّلَفُ: هَلْ هُوَ مُخْتَصٌّ أَوْ مُشْتَرَكٌ ؟ وَإِذَا قِيلَ هَذَا لِمَنْ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ - كَمَا احْتَاجَتْ هِيَ إلَيْهِ - كَانَ فِي ذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ . وَبِالْجُمْلَةِ فَالشَّارِعُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت