فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 97

تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أَبْقَى آيَاتٍ وَهِيَ الْعَلَامَاتُ وَالدَّلَالَاتُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَا يَخُصُّهُ مِنْ أَخْبَارِ الْمُؤْمِنِينَ وَحُسْنِ عَاقِبَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَأَخْبَارِ الْكُفَّارِ وَسُوءِ عَاقِبَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا هُوَ مِنْ بَابِ الْآيَاتِ وَالدَّلَالَاتِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا وَيُعْتَبَرُ بِهَا عِلْمًا وَوَعْظًا فَيُفِيدُ مَعْرِفَةَ صِحَّةِ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَيُفِيدُ التَّرْغِيبَ وَالتَّرْهِيبَ وَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَرْضَى عَنْ أَهْلِ طَاعَتِهِ وَيُكْرِمُهُمْ وَيَغْضَبُ عَلَى أَهْلِ مَعْصِيَتِهِ وَيُعَاقِبُهُمْ كَمَا يُسْتَدَلُّ بِمَخْلُوقَاتِهِ الْعَامَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ فَإِنَّ الْفِعْلَ يَسْتَلْزِمُ قُدْرَةَ الْفَاعِلِ [ وَيُسْتَدَلُّ ] بِإِحْكَامِ الْأَفْعَالِ عَلَى عِلْمِهِ ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُحْكَمَ يَسْتَلْزِمُ عِلْمَ الْفَاعِلِ وَبِالتَّخْصِيصِ عَلَى مَشِيئَتِهِ ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ مُسْتَلْزِمٌ لِإِرَادَتِهِ فَكَذَلِكَ يُسْتَدَلُّ بِالتَّخْصِيصِ بِمَا هُوَ أَحْمَد عَاقِبَةً عَلَى حِكْمَتِهِ ؛ لِأَنَّ تَخْصِيصَ الْفِعْلِ بِمَا هُوَ مَحْمُودٌ فِي الْعَاقِبَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحِكْمَةِ وَيُسْتَدَلُّ بِتَخْصِيصِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ بِالنَّصْرِ وَحُسْنِ الْعَاقِبَةِ وَتَخْصِيصِ مُكَذِّبِيهِمْ بِالْخِزْيِ وَسُوءِ الْعَاقِبَةِ عَلَى أَنَّهُ يَأْمُرُ وَيُحِبُّ وَيَرْضَى مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَيَكْرَهُ وَيَسْخَطُ مَا كَانَ عَلَيْهِ مُكَذِّبُوهُمْ ؛ لِأَنَّ تَخْصِيصَ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ بِالْإِكْرَامِ وَالنَّجَاةِ وَالذِّكْرِ الْحَسَنِ وَالدُّعَاءِ وَتَخْصِيصَ الْآخَرِ بِالْعَذَابِ وَالْهَلَاكِ وَقُبْحِ الذِّكْرِ وَاللَّعْنَةِ: يَسْتَلْزِمُ مَحَبَّةَ مَا فَعَلَهُ الْمُصَنِّفُ الْأَوَّلُ وَبُغْضَ مَا فَعَلَهُ الصِّنْفُ الثَّانِي . وَأَمَّا الْإِرَادَةُ الَّتِي يُقَالُ فِيهَا إنَّهَا تَخُصُّ أَحَدَ الْمِثْلَيْنِ عَنْ الْآخَرِ بِلَا سَبَبٍ فَتِلْكَ هَلْ يُوصَفُ اللَّهُ بِهَا ؟ فِيهِ نِزَاعٌ . فَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ لَا يُوصَفُ بِهَا فَلَا كَلَامَ وَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ يُوصَفُ بِهَا فَمَعْلُومٌ أَنَّ تَخْصِيصَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ بِهَذَا وَتَخْصِيصَ أَعْدَائِهِمْ بِهَذَا لَمْ يَصْدُرْ عَنْ تَخْصِيصٍ بِلَا مُخَصَّصٍ ؛ بَلْ يُعْلَمُ أَنَّهُ قَصَدَ تَخْصِيصَ هَؤُلَاءِ بِالْإِكْرَامِ وَهَؤُلَاءِ بِالْعِقَابِ وَأَنَّ إيمَانَ هَؤُلَاءِ سَبَبُ تَخْصِيصِهِمْ بِهَذَا وَكَفْرَ هَؤُلَاءِ سَبَبُ تَخْصِيصِهِمْ بِهَذَا . وَلِبَسْطِ هَذِهِ الْأُمُورِ مَوْضِعٌ آخَرُ . لَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ دَاخِلَةٌ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ . وَلَكِنْ أَبُو حَامِدٍ يَجْعَلُ الْحِجَاجَ صَنْعَةَ الْكَلَامِ وَيَجْعَلُ عِمَارَةَ الطَّرِيقِ عِلْمَ الْفِقْهِ وَيَجْعَلُ أَخْبَارَ الْأَنْبِيَاءِ عِلْمَ الْقَصَصِ وَيَقُولُ: إنَّ الْكَلَامَ وَالْجَدَلَ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ حَقٍّ بِدَلِيلِ ؛ بَلْ إنَّمَا فِيهِ دَفْعُ الْبِدَعِ بِبَيَانِ تَنَاقُضِهَا ؛ وَيَجْعَلُ أَهْلَهُ مِنْ جِنْسِ خُفَرَاءِ الْحَجِيجِ وَيَجْعَلُ عِلْمَ الْفِقْهِ لَيْسَ غَايَتُهُ إلَّا مَصْلَحَةَ الدُّنْيَا وَهَذَا مِمَّا نَازَعَهُ فِيهِ أَكْثَرُ النَّاسِ وَتَكَلَّمُوا فِيهِ بِكَلَامِ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ كَمَا تَكَلَّمُوا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ ( جَوَاهِرِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِهِ مِنْ مَعَانِي الْفَلْسَفَةِ وَجَعَلَ ذَلِكَ هُوَ بَاطِنَ الْقُرْآنِ وَكَلَامُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى رَدِّ هَذَا أَكْثَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ عَلَى رَدِّ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّ هَذَا فِيهِ مِمَّا يُنَاقِضُ مَقْصُودَ الرَّسُولِ أُمُورٌ عَظِيمَةٌ كَمَا تَكَلَّمُوا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي النُّبُوَّةِ بِمَا يُشْبِهُ كَلَامَ الْفَلَاسِفَةِ فِيهَا . وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ فِيهَا وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الْقَوْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَنَصَرْنَاهُ ؛ لَكِنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ هُوَ الصَّوَابُ بِلَا رَيْبٍ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ بِأَنَّ اللَّهَ جَزَّأَ الْقُرْآنَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ . فَجَعَلَ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَجْمُوعَ الْقُرْآنِ ثَلَاثَةُ أَجْزَاءٍ لَيْسَ هُوَ سِتَّةٌ: ثَلَاثَةُ أُصُولٍ وَثَلَاثَةُ فُرُوعٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت