بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ قِيلَ بِأَنَّهَا فَرْضٌ تُعَادُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا أَوْ قِيلَ بِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ يَأْثَمُ تَارِكُهَا وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ أَوْ قِيلَ إنَّهَا سُنَّةٌ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ قِرَاءَةَ غَيْرِهَا مُسَاوٍ لِقِرَاءَتِهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ . وَخُصَّ الْقُرْآنُ بِأَنَّهُ لَا يُمَسُّ مُصْحَفُهُ إلَّا طَاهِرٌ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ - مِثْلَ سَعْدٍ وَسَلْمَانَ وَابْنِ عُمَرَ - وَجَمَاهِيرِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ الْفُقَهَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ . وَمَضَتْ بِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كِتَابِهِ الَّذِي كَتَبَهُ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الَّذِي لَا رَيْبَ فِي أَنَّهُ كَتَبَهُ لَهُ وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ كِتَابُ اللَّهِ . وَكَذَلِكَ لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ الْقُرْآنَ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ الْفُقَهَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ السُّنَّةُ . وَتَفْضِيلُ أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ بِأَحْكَامِ تُوجِبُ تَشْرِيفَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ فِي نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لِأَحَدِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ بِلَا مُرَجَّحٍ وَهَذَا خِلَافُ مَا عُلِمَ مِنْ سُنَّةِ الرَّبِّ تَعَالَى فِي شَرْعِهِ بَلْ وَفِي خَلْقِهِ وَخِلَافُ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الدَّلَائِلُ الْعَقْلِيَّةُ مَعَ الشَّرْعِيَّةِ . وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: { وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ } وَقَالَ تَعَالَى: { فَبَشِّرْ عِبَادِي } { الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } وَقَالَ تَعَالَى: { فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا } . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِيمَا أُنْزِلَ حَسَنٌ وَأَحْسَنُ سَوَاءٌ كَانَ الْأَحْسَنُ هُوَ وَالنَّاسِخُ الَّذِي يَجِبُ الْأَخْذُ بِهِ دُونَ الْمَنْسُوخِ إذْ كَانَ لَا يَنْسَخُ آيَةً إلَّا يَأْتِي بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَوْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ . وَالْقَوْلُ بِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ بَعْضُهُ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ هُوَ الْقَوْلُ الْمَأْثُورُ عَنْ السَّلَفِ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْفُقَهَاءِ مِنْ الطَّوَائِفِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ وَكَلَامُ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ كَثِيرٌ مُنْتَشِرٌ فِي كُتُبٍ كَثِيرَةٍ مِثْلَ مَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ ابْنِ سُرَيْجٍ فِي تَفْسِيرِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: ثُلُثٌ مِنْهُ أَحْكَامٌ وَثُلُثٌ مِنْهُ وَعْدٌ وَوَعِيدٌ وَثُلُثٌ مِنْهُ الْأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ . وَهَذِهِ السُّورَةُ جَمَعَتْ الْأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ . وَمِثْلَ مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي مَسْأَلَةِ تَعْيِينِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ قَالَ أَبُو الْمُظَفَّرِ مَنْصُورُ بْنُ مُحَمَّدٍ السمعاني الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ"الِاصْطِلَامِ"وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ سَائِرَ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْقُرْآنِ لَا تَخْتَصُّ بِالْفَاتِحَةِ قُلْت: سَائِرُ الْأَحْكَامِ قَدْ تَعَلَّقَتْ بِالْقُرْآنِ عَلَى الْعُمُومِ وَهَذَا عَلَى الْخُصُوصِ بِدَلِيلِ أَنَّ عِنْدَنَا قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ عَلَى التَّعْيِينِ مَشْرُوعَةٌ عَلَى الْوُجُوبِ وَعِنْدَكُمْ عَلَى السُّنَّةِ . قَالَ: وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا إنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ لَمَّا وَجَبَتْ فِي الصَّلَاةِ وَجَبَ أَنْ تَتَعَيَّنَ الْفَاتِحَةُ لِأَنَّ الْقُرْآنَ امْتَازَ عَنْ غَيْرِهِ بِالْإِعْجَازِ وَأَقَلُّ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِعْجَازُ سُورَةٌ وَهَذِهِ السُّورَةُ أَشْرَفُ السُّوَرِ لِأَنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي وَلِأَنَّهَا تَصْلُحُ عِوَضًا عَنْ جَمِيعِ السُّورِ وَلَا تَصْلُحُ جَمِيعُ السُّورِ عِوَضًا عَنْهَا وَلِأَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى مَا لَا تَشْتَمِلُ سُورَةٌ مَا عَلَى قَدْرِهَا مِنْ الْآيَاتِ وَذَلِكَ مِنْ الثَّنَاءِ وَالتَّحْمِيدِ لِلرَّبِّ وَالِاسْتِعَانَةِ وَالِاسْتِعَاذَةِ وَالدُّعَاءِ مِنْ الْعَبْدِ . فَإِذَا صَارَتْ هَذِهِ السُّورَةُ أَشْرَفَ السُّوَرِ وَكَانَتْ الصَّلَاةُ أَشْرَفَ الْحَالَاتِ فَتَعَيَّنَتْ أَشْرَفَ السُّوَرِ فِي أَشْرَفِ الْحَالَاتِ . هَذَا لَفْظُهُ فَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أَشْرَفُ السُّوَرِ كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ أَشْرَفُ الْحَالَاتِ وَبَيَّنُوا مِنْ شَرَفِهَا عَلَى غَيْرِهَا مَا ذَكَرُوهُ . وَكَذَلِكَ ذَكَرَ ذَلِكَ مَنْ ذَكَرَهُ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى بْنِ الْقَاضِي