أَزَلًا وَأَبَدًا وَإِنْ كَانَتْ مُتَرَتِّبَةً فِي ذَاتِهَا تَرَتُّبًا ذَاتِيًّا لَا تَرَتُّبًا وُجُودِيًّا كَمَا قَدْ بَيَّنَ مَقَالَاتِ النَّاسِ فِي كَلَامِ اللَّهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَالْأَوَّلُونَ عِنْدَهُمْ كَلَامُ اللَّهِ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا بَعْضٌ لَهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ بَعْضُهُ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ . وَالْآخَرُونَ يَقُولُونَ: هُوَ قَدِيمٌ لَازِمٌ لِذَاتِهِ وَالْقَدِيمُ لَا يَتَفَاضَلُ . وَرُبَّمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: { نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا } أَنَّهُ قَالَ: خَيْرًا لَكُمْ مِنْهَا أَوْ أَنْفَعَ لَكُمْ . فَيَظُنُّ الظَّانُّ أَنَّ ذَلِكَ الْقَائِلَ مُوَافِقٌ لِهَؤُلَاءِ . وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَقْصُودُهُ بَيَانُ وَجْهِ كَوْنِهِ خَيْرًا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَنْفَعَ لِلْعِبَادِ فَإِنَّ مَا كَانَ أَكْثَرُ مِنْ الْكَلَامِ نَفْعًا لِلْعِبَادِ كَانَ فِي نَفْسِهِ أَفْضَلُ كَمَا بَيَّنَ فِي مَوْضِعِهِ . وَصَارَ مَنْ سَلَكَ مَسْلَكَ الكلابية مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِ أَحْمَد وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ يَظُنُّونَ أَنَّ الْقَوْلَ بِتَفَاضُلِ كَلَامِ اللَّهِ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ إنَّمَا يُمْكِنُ عَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّهُ مَخْلُوقٌ فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ يَرَوْنَ فَضْلَ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ فَضْلَ مَخْلُوقٍ عَلَى مَخْلُوقِ وَتَفْضِيلُ بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى بَعْضٍ لَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ . فَإِذَا ظَنَّ أُولَئِكَ أَنَّ الْقَوْلَ بِتَفْضِيلِ بَعْضِ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى بَعْضٍ مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِ الْقُرْآنِ مَخْلُوقًا فَرُّوا مِنْ ذَلِكَ وَأَنْكَرُوا الْقَوْلَ بِهِ لِأَجْلِ مَا ظَنُّوهُ مِنْ التَّلَازُمِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ظَنُّوهُ بَلْ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَجُمْهُورُهَا يَقُولُونَ: إنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَكَذَلِكَ سَائِرُ كَلَامِ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ . وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: إنَّ كَلَامَ اللَّهِ بَعْضُهُ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ كَمَا نَطَقَ بِذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَآثَارُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ يُعْرَفُ فِي ذَلِكَ عَنْهُمْ . وَحَدَّثَنَا أَبِي عَنْ جَدِّنَا أَبِي الْبَرَكَاتِ وَصَاحِبِهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ أَنَّهُمَا نَظَرَا فِيمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ الْأَقْوَالِ فِي قَوْلِهِ: { نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } وَأَظُنُّهُ كَانَ نَظَرَهُمْ فِي تَفْسِيرِ أَبِي عَبْدِ الله مُحَمَّدِ بْنِ تيمية فَلَمَّا رَأَيَا تِلْكَ الْأَقْوَالَ قَالَا: هَذَا إنَّمَا يَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ . وَزَارَ مَرَّةً أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ هَذَا لِشَيْخِنَا أَبِي زَكَرِيَّا بْنِ الصَّيْرَفِيِّ وَكَانَ مَرِيضًا فَدَعَا أَبُو زَكَرِيَّا بِدُعَاءِ مَأْثُورٍ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد يَقُولُ فِيهِ"أَسْأَلُك - بِقُدْرَتِك الَّتِي قَدَرْت بِهَا أَنْ تَقُولَ لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ - أَنْ تَفْعَلَ بِنَا كَذَا وَكَذَا"فَلَمَّا خَرَجَ النَّاسُ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ لَهُ: مَا هَذَا الدُّعَاءُ الَّذِي دَعَوْت بِهِ ؟ هَذَا إنَّمَا يَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ فَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَلَا يُقَالُ عِنْدَهُمْ قَدَرَ أَنْ يَتَكَلَّمَ أَوْ يَقُولَ فَإِنَّ كَلَامَهُ قَدِيمٌ لَازِمٌ لِذَاتِهِ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ . وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ تَلَقَّى هَذَا عَنْ الْبُحُوثِ الَّتِي يَذْكُرُهَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الزاغوني وَأَمْثَالُهُ وَقَبْلَهُ أَبُو الْوَفَاءِ ابْنُ عَقِيلٍ وَأَمْثَالُهُ وَقَبْلَهُمَا الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَنَحْوُهُ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ وَأَمْثَالَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ - كَأَبِي الْوَلِيدِ الباجي وَأَبِي الْمَعَالِي الجويني - وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ يُوَافِقُونَ ابْنَ كُلَّابٍ عَلَى قَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَعَلَى قَوْلِهِ: إنَّ الْقُرْآنَ لَازِمٌ لِذَاتِ اللَّهِ بَلْ يَظُنُّونَ أَنَّ هَذَا قَوْلُ السَّلَفِ - قَوْلُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ السَّلَفِ - الَّذِينَ يَقُولُونَ: الْقُرْآنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ حَتَّى إنَّ مَنْ سَلَكَ مَسْلَكَ السالمية مِنْ هَؤُلَاءِ -