وصلت الغارة إلى المدينة المنورة وقد خلفت وراءها قوةً ردءًا لها في (ذي حسى) (1) ، وعندما طرقت الغارة الأنقاب وجدت عليها المقاتلة، ووراءهم أقوام أشبه بالمراسلين، فأوصلوا الخبر إلى أبي بكر في المسجد، فأرسل أبو بكر إلى المقاتلة عن الأنقاب أن اثبتوا، وسار بأهل المسجد إلى الأنقاب، فانهزم المغيرون وولوا الأدبار، ولحقهم المسلمون على إبلهم حتى (ذي حسى) ، فوجدوا الردء هناك، وقد نفخوا الانحاء (2) ، وربطوها بالجبال، ودهدهوها (3) بأرجلهم في وجه إبل المسلمين، فنفرت الإبل ورجعت بالمسلمين إلى المدينة، فأرسل المنافقون إلى إخوانهم في (ذي القصة) (4) بالخبر، فأسرعوا إليهم، وحضر أبو بكر ليلته، ثم خرج في آخر الليل ماشيًا، وعلى الميمنة النعمان بن مُقَرّن (5) ، وعلى الميسرة عبد الله بن مقرن (6) ، وعلى الساقة سويد بن مقرن (7) ، فلما أصبح الصباح لم يشعر المنافقون إلا والمسلمون يعجلون فيهم السيف. فلما كانت ضحوة ذلك النهار ولّى المنافقون الأدبار، ووصل المسلمون إلى (ذي القصة) ، ترك أبو بكر النعمان بن مقرن في عدد من المسلمين، ورجع هو بالناس إلى المدينة.
(1) ذي الحُسى: موقع قرب المدينة.
(2) الانحاء: ضروف السمن.
(3) دهدهوها: دفعوها.
(4) ذي القصة: مكان يبعد 35 كيلو مترًا عن المدينة.
(5) النعمان بن مقرن بن عائذ المزني: أبو عمرو، صحابي فاتح، من الأمراء القادة الشجعان، كان معه لواء مزينة يوم فتح مكة، استشهد يوم نهاوند عام 21 هـ . وله عشرة إخوة كلهم من الشجعان.
(6) عبدالله بن مقرن بن عائذ المزني: أخو النعمان.
(7) سويد بن مقرن بن عائذ المزني: أخو النعمان، أبو عائذ، أسلم مع أسرته، شهد فتح العراق، وحضر القادسية والمدائن، قاتل تحت لواء أخيه النعمان بنهاوند، وتحت لواء أخيه نعيم في الري وهمدان، ثم قاد فتح طبرستان وجرجان، سكن الكوفة ومات بها.