الشام ليتولى أمرها، ويعزل معاوية، ويرد الوالي الجديد من حدود بلاد الشام، ويبقى معاوية في حاضرته ينتظر ما يؤول إليه الأمر، ثم تصل إليه أخبار جديدة بأن عددًا قد خرج من مكة إلى البصرة معارضين للخليفة في المدينة، على رأسهم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وطلحة، والزبير، إذن يفهم من هذه الأخبار أن الأمر لم يستقر لعلي بعد ولا بد من الانتظار في البيعة، وانتظر، وانتظر معه مجتمع الشام. وحدثت أحداث البصرة التي ذكرنا ووقعت معركة الجمل وتأسف المسلمون لما تم، وكل هذا جعل عامل الشام معاوية بن أبي سفيان ينتظر في إعطاء البيعة للخليفة الجديد، وهذا ما رآه، ورآه معه عدد من الناس، ويعد اجتهادًا.
أما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فيرى غير ذلك، إذ ينظر إلى معاوية على أنه عامل للخليفة، إن طلب منه ترك العمل تخلى، وإن طلب منه الاستمرار تابع، فهو تبع وليس بمجتهد في هذا الأمر، والوالي ليس عليه إلا أن يبايع هو وأهل مصره إذا بايع أهل المدينة وقد بايعوا فلماذا هذا التواني ؟ فهل أصبح من أهل الشورى ليؤخذ رأيه في البيعة أم لا ؟ وقد عزله الخليفة فعليه الامتثال، هذه نظرة علي إلى معاوية، وهي صحيحة، أما بالنسبة إلى الأوصاع فيرى أنها غير مستقرة والمنحرفون لا يزالون في المدينة فيجب الانتهاء من البيعة، وطمأنينة الناس، فمتى تم هذا يصرفوا إلى أمصارهم، فيتوزع أمرهم، ويضعف شأنهم.
وعندما تقام عليهم الحدود ويقتص منهم بما اقترفت أيديهم، أما الآن فلهم قوتهم، ويتمكنون من المدينة فيصعب الاقتصاص، لأنه ربما إن فعل أمير المؤمنين ذلك اقتصوا هم منه ومن أهل المدينة، وهو اجتهاد، ويؤجر عليه إن شاء الله تعالى. ولم يقبل سيدنا علي من عامل الشام هذا التصرف، وليس أمامه إلا تنفيذ أوامره، وهو الذي لا يعرف إلا الشدة في الحق، ولا يعمل إلا بالحزم، واللين عنده من الضعف، لذا قرر التعبئة والنهوض إلى الشام، وعبأ الجند، وهو يريد السير إذ جد له أمر الركب المكي فسار وراءهم نحو العراق، وتغير خط حركته من الشام إلى البصرة، ووقعت معركة الجمل في منتصف جمادي الآخرة، ودخل إثرها البصرة، فأصلح فيها، فعفا عن المسيء، وواسى المنكوب،