وكادت تحدث في المدينة حادثة لهذا الجواب، إذ لا يريد الناس إلا اطفاء النار وإخماد جذوتها، ورجع كعب إلى الناس بالخبر فاختلف القوم بالبصرة، وعاتب علي عامله على البصرة، وقال: إنما طلحة والزبير لم يجبرا على البيعة إلا خوفًا من الفرقة، وقلّ أنصار ابن حنيف حتى غضب عليه الغوغائيون في طرفه لهذا التصرف، انقضّ أهل السوء عليه فسجنوه، ونتفوا لحيته وحاجبيه، ثم أخرجوه حيث سار إلى علي بن أبي طالب وهو بذي قار، ولم يقتل عثمان بن حنيف لأنه لم يكن عدوًا ولا مجرم حرب، وإنما كان أخًا ضعفت وجهة نظره أمام مناقشيه فقلّ أتباعه، وعدا عليه الرعاع فأخرجوه، ولو كان الخلاف كما يصوّره بعض المؤمنين لقتل أو أخذ على الأقل أسيرًا فهو قائد الخصم أو رأس الجناح الآخر. وصار يصلي بالناس عبد الرحمن بن عتّاب بن أسيد.
وبخروج عثمان بن حنيف من البصرة أصبحت تحت إمرة الركب المكي فقتلوا من كان فيها من الأشخاص الذين شخصوا إلى المدينة، واشتركوا في حصار عثمان بن عفان رضي الله عنه، ولم ينج منهم إلا حرقوص بن زهير العبدي، وكان ممن قتل حكيم بن جبلة العبدي، ولم يكن هذا القتل ليخفف من المشكلة وإنما زاد النقمة، إذ أن بعض القبائل غضبت لمقتل بعض أبنائها ممن كان من الغوغائيين، ومنهم بنو عبد القيس الذين ثاروا لمقتل حكيم بن جبلة فخرجوا على علي، أما علي فلم يتكلم في قتل هؤلاء لأنه يرغب فيه ولا علاقة له بأحد منهم، وإن كان يجب أن يدعم رأيه بأن في العجلة الندامة فالقتل السريع دون تروي أدى إلى النقمة. وكتب الركب المكي إلى بقية الأمصار أن يفعلوا فعلتهم، وأن يقتلوا من عندهم من قتلة عثمان.
أرسل علي بن أبي طالب القعقاع بن عمرو التميمي إلى البصرة، فكلم عائشة وطلحة والزبير وبينّ لهم تفرق القوم عنهم بسبب قتل الغوغائيين، وماذا يكون لو حدث هذا في كل مصر ؟ قالوا: فما رأيك ؟ قال: إن هذا أمر دواؤه التسكين واجتماع الشمل، حتى إذا صلح الأمر وهدأت الثائرة، وأمن الناس، واطمأن بعضهم إلى بعض، نظرنا في أمر الذين أحدثوا هذه الفتنة. وإني لأقول هذا وما أراه يتُّم حتى يأخذ الله من هذه الأمة ما يشاء، فقد انتشر أمرها، وألمت بها الملمات، وتعرضت لبلاء عظيم، فاستحسن القوم رأيه،