فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 367

إساءتهم في حقك يفعل الله معك في ذنوبك وإساءتك، جزاء وفاقا. فانتقم بعد ذلك، أو اعف، وأحسن أو اترك. فكما تدين تدان، وكما تفعل مع عباده يفعل معك.

فمن تصور هذا المعنى، وشغل به فكره. هان عليه الإحسان إلى من أساء إليه. وهذا مع ما يحصل له بذلك من نصر الله ومعيته الخاصة. فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي أَقْرِبَاءَ أُحْسِنُ وَيُسِيئونَ، وَأَعْفُو وَيَظْلِمُونَ، وَأَصِلُ وَيَقْطَعُونَ فَأُكَافِئُهُمْ بِمِثْلِ مَا يَصْنَعُونَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِذًا تُتْرَكُونَ جَمِيعًا، وَلَكِنْ جُدْ عَلَيْهِمْ بِالْفَضْلِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ لَكَ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرًا» [1]

هذا مع ما يتعجله من ثناء الناس عليه، ويصيرون كلهم معه على خصمه. فإن كل من سمع أنه محسن إلى ذلك الغير، وهو مسيء إليه.

وجد قلبه وداءه وهمته مع المحسن على المسيء. وذلك أمر فطري، فطر الله عليه عباده. فهو بهذا الإحسان، قد استخدم عسكرا لا يعرفهم ولا يعرفونه، ولا يريدون منه إقطاعا ولا خبزا.

هذا مع أنه لا بد له مع عدوه وحاسده من إحدى حالتين: إما أن يملكه بإحسانه، فيستعبده وينقاد له، ويذل له، ويبقى الناس إليه. وإما أن يفتت كبده ويقطع دابره، إن أقام على إساءته إليه. فإنه يذيقه بإحسانه أضعاف ما ينال منه بانتقامه، ومن جرب هذا عرفه حق المعرفة. والله هو الموفق والمعين. بيده الخير كله، لا إله غيره، وهو المسؤول أن يستعملنا وإخواننا في ذلك بمنه وكرمه.

وفي الجملة: ففي هذا المقام من الفوائد ما يزيد على مائة منفعة للعبد عاجلة وآجلة. سنذكرها في موضع آخر إن شاء الله تعالى.

السبب العاشر: وهو الجامع لذلك كله، وعليه مدار هذه الأسباب، وهو تجريد التوحيد، والترحل بالفكر في الأسباب إلى المسبب العزيز الحكيم، والعلم بأن هذه الآلات بمنزلة حركات الرياح، وهي بيد محركها، وفاطرها وبارئها، ولا تضر ولا تنفع إلا

(1) - الزهد لهناد بن السري (2/ 492) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت