فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 221

له ، من العلم اليقينيّ ، بقدرة اللّه ، وعظمته ، وجلاله. وإن بصرك إذ يعود إليك بعد هذه الرحلة الطويلة السابحة في ملكوت اللّه ، سيعود إليك « خاسئا » أي منزجرا ، مرتدّا في استخزاء ، أمام هذا الجلال الذي ببهر الأبصار ، ويخلب العقول ، بعد أن يبلغ به التعب والإعياء غايته ، وبعد أن يرى الإنسان الذي حصّل ما حصل من علم الدارسين المتفحصين ، أنه ما زال على شاطىء بحر لا نهاية له!!

والحسير: المتعب الكليل ، الذي أعيا من طول النظر .. ويجوز أن يكون المعنى على صورة أخرى ، وهى أنه مهما عاود الناظر النظر والبحث وراء الوقوع على تفاوت في خلق الرحمن ، فإنه لن يجد شيئا من هذا ، ولو أجهده السير ، وطال به المطاف ، حتى يسقط إعياء .. وهذا يعنى أن العلم وحده لا يقيم الإنسان على إيمان يقينىّ ، إلا إذا التقى هذا العلم بقلب سليم ، تنقدح فيه شرارة العلم ، فيضىء بنور الحق والهدى.وفى هذا ما يشير إلى أن العقل ، وإن كان من المطلوب منه أن ينظر في ملكوت اللّه ، وأن يقرأ في صحف الوجود ما شاء من آيات اللّه ـ فإن عليه أن يعلم أنه على ساحل محيط لا نهاية له ، وأنه إذا أراد أن يحتوى كلّ ما في هذا الوجود ، فإن ذلك لن يقع له ، ولن يجد آخر المطاف إلا العجز والإعياء .. فليرض إذن بما يقع له من علم ، وليتخذ من هذا العلم ، الشاهد الذي يقيم في قلبه إيمانا وثيقا باللّه ، وبماله من قدرة ، وعلم ، وحكمة ، وجلال ..فذلك حسبه من العلم الذي يبلغ به شاطىء الأمان ..""

3 -قوله تعالى: « وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ » هو إشارة إلى صفحة من صحف الوجود ، التي يمكن أن يرتادها النظر ، وأن يقرأ فيها العقل آيات من قدرة اللّه وإحكام صنعته ..فالسماء الدنيا ، هي أقرب سماء إلينا ، وهي المطلّة على الأرض التي نعيش عليها ..

وإن العين ـ أي عين ـ لترى فيها مصابيح تزينها ، وتنتثر على صفحتها كأنها اللآلئ .. ومن هذه السماء الدنيا تنطلق رجوم وشهب ترمَى بها الشياطين ، التي تتطاول إلى هذه السماء ، وتحاول الاتصال بالملأ الأعلى .. فالضمير في قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت