فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 964

أَنَّ عَامِرًا، حَدَّثَهُ أَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، قَالَ:إِنَّ وَالِدِي بَشِيرَ بْنَ سَعْدٍ، أَتَى رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ:يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عَمْرَةَ بِنْتَ رَوَاحَةَ نُفِسَتْ بِغُلاَمٍ، وَإِنِّي سَمَّيْتُهُ نُعْمَانَ، وَإِنَّهَا أَبَتْ أَنْ تُرَبِّيَهُ حَتَّى جَعَلْتُ لَهُ حَدِيقَةً لِي أَفْضَلَ مَالِي هُوَ، وَإِنَّهَا قَالَتْ:أَشْهِدِ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:هَلْ لَكَ وَلَدٌ غَيْرَهُ ؟ قَالَ:نَعَمْ، قَالَ:لاَ تُشْهِدْنِي، إِلاَّ عَلَى عَدْلٍ، فَإِنِّي لاَ أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ. [1]

إلا أن هناك أسبابًا تبيح تمييز بعض الأولاد كاستخدام الحرمان من النفقة عقابًا، وإثابة المحسن بزيادة نفقته، أو أن يكون بعضهم محتاجًا لقلة ماله وكثرة عياله [2] ، ولا يعني العدل تطابق أساليب المعاملة، بل يتميز الصغير والطفل العاجز أو المريض، وذلك لحاجتهما إلى العناية [3] . وكذلك الولد الذي يغيب عن الوالدين بعض أيام الأسبوع للدراسة أو العمل أو العلاج، ولابد أن يبيّن الوالدان لبقية الأولاد سبب تمييز المعاملة بلطف وإشفاق، وهذا التميز ليس بدرجة الكبيرة ولكن فرق يسير بين معاملة هؤلاء ومعاملة البقية، وهذا الفرق اليسير يتسامح الإخوة به ويتجاوزون عنه.

(1) - صحيح ابن حبان - (11 / 507) (5107) وصحيح مسلم- المكنز - (4269)

قَالَ أَبُو حَاتِمٍ - رضي الله عنهم -:تَبَايُنُ الأَلْفَاظِ فِي قِصَّةِ النَّحْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَدْ يُوهِمُ عَالِمًا مِنَ النَّاسِ أَنَّ الْخَبَرَ فِيهِ تَضَادٌّ وَتَهَاتُرٌ،وَلَيْسَ كَذَلِكَ،لأَنَّ النَّحْلَ مِنْ بَشِيرٍ لاِبْنِهِ كَانَ فِي مَوْضِعَيْنِ مُتَبَايِنَيْنِ،وَذَاكَ أَنَّ أَوَّلَ مَا وَلَدُ النُّعْمَانُ أَبَتْ عَمْرَةُ أَنْ تُرَبِّيَهُ حَتَّى يَجْعَلَ لَهُ بَشِيرٌ حَدِيقَةً،فَفَعَلَ ذَلِكَ،وَأَرَادَ الإِشْهَادَ عَلَى ذَلِكَ،فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:لاَ تُشْهِدْنِي إِلاَّ عَلَى عَدْلٍ،فَإِنِّي لاَ أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ،عَلَى مَا فِي خَبَرِ أَبِي حَرِيزٍ،تُصَرِّحُ هَذِهِ اللَّفْظَةُ،أَنَّ الْحَيْفَ فِي النَّحْلِ بَيْنَ الأَوْلاَدِ غَيْرُ جَائِزٍ،فَلَمَّا أَتَى عَلَى الصَّبِيِّ مُدَّةٌ،قَالَتْ عَمْرَةُ لِبَشِيرٍ:انْحَلِ ابْنِي هَذَا فَالْتَوَى عَلَيْهِ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ عَلَى مَا فِي خَبَرِ،أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ،وَالْمُغِيرَةِ،عَنِ الشَّعْبِيِّ،فَنَحَلَهُ غُلاَمًا،فَلَمَّا جَاءَ الْمُصْطَفَى - صلى الله عليه وسلم - ،لِيُشْهِدَهُ،قَالَ:لاَ تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ،وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ النُّعْمَانُ،قَدْ نَسِيَ الْحُكْمَ الأَوَّلَ،أَوْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ قَدْ نُسِخَ،وَقَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم -:لاَ تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ،فِي الْكَرَّةِ الثَّانِيَةِ زِيَادَةُ تَأْكِيدٍ فِي نَفْيِ جَوَازِهِ،وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ النَّحْلَ فِي الْغُلاَمِ لِلنُّعْمَانِ كَانَ ذَلِكَ،وَالنُّعْمَانُ مُتَرَعْرِعٌ،أَنَّ فِيَ خَبَرِ عَاصِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ،أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لَهُ:مَا هَذَا الْغُلاَمُ ؟ قَالَ:غُلاَمٌ أَعْطَانِيهِ أَبِي،فَدَلَّتْكَ هَذِهِ اللَّفْظَةُ،عَلَى أَنَّ هَذَا النُّحْلَ غَيْرُ النُّحْلِ الَّذِي فِي خَبَرِ،أَبِي حَرِيزٍ،فِي الْحَدِيقَةِ،لأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ امْتِنَاعِ عَمْرَةَ،عَنْ تَرْبِيَةِ النُّعْمَانِ عِنْدَمَا وَلَدَتْهُ،ضِدَّ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ،أَنَّ أَخْبَارَ الْمُصْطَفَى - صلى الله عليه وسلم - ،تَتَضَادُّ،وَتَهَاتَرُ .

(2) - انظر: المغني،لابن قدامة،5/604.

(3) - انظر: كيف نربي أطفالنا،لمحمود الاستانبولي،ص76.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت