فهرس الكتاب

الصفحة 676 من 719

وقد ذاع مفهوم الهوية عالميا وعربيا منذ ستينيات القرن المنصرم، ومع الصعود القومي والثوري في منطقتنا، نتيجة حمأة الصراع الدولي أو الثقافي منذ هذا التاريخ، واهتمام العديد من المجالات العلمية بدراسته، حتى يصح في ذلك قول المؤرخ ألفرد كروسر Alfred Grosser يقول: القليل من المفاهيم هي التي حظيت بالتضخم والاهتمام الذي عرفه مفهوم الهوية، حيث أصبحت الهوية شعارًا + طوطميا وأصبح بديهيا أن يحل كل الإشكاليات المطروحة، فصرنا نسمع عن خطاب الهوية، أي تلك الخطابات التي تقوم في أسسها الفكرية على تصور خاص للهوية، يمكن التمثيل لها بالتيارات القطرية والقومية والوحدوية والإسلامية، كما نسمع عن سياسات الهوية أي السياسات التي تمثل الهوية مصدرا لشرعيتها وسندا لها كحقوق الأقليات في تقرير مصيرها أو الصراعات الأهلية وسلطات الحكم الذاتي... إلخ.

والهوية تتحقق في مجال الاتصال بالآخرين، حتى يصح القول إن هوية الفرد الواحد تتبدل حسب اتصالاته ومواقفه ومواقعه المختلفة؛ فالهوية معطى من الآخرين وانعكاس ظاهر وكامن لمواقفنا منهم وردود فعلنا عليهم (5) ، فهي رغم ثباتها فإنها صيرورة في التاريخ كذلك.

وتناول مفهوم الهوية تصاعد مع الاستقطاب الحضاري بين الغرب + وآخريه، في ظل الحرب على الإرهاب وانتشار دعاوى الحوار الحضاري، حيث تترادف الهوية فيه مع الثقافة كمنظور ورؤية للعالم.

ومفهوم الهوية ظهر بداية في كتابات الفيلسوف والمؤرخ الألماني الاجتماعي"فلهلم دلتاي" (1833- 1911) وقد جعله ماكس فيبر"Max Weber (1864- 1920) على مستويين يتعلق أولهما بما يطلق عليه دلتاي اسم الصورة الكونية التي تؤلف الكتلة الأساسية للمعتقدات والمسلمات الافتراضية عن العالم الحقيقي الواقعي، التي يمكن في ضوئها وبالإشارة إليها يمكن الوصول إلى إجابات شافية حول مغزى الكون والوجود."

ويتعلق المستوى الثاني بالسياق التصوري - الواعي + والإرادوي الذي تضع فيه الذات الجمعية نفسها ضمن تقسيمات العالم الواقعية أو المركبة من النواحي الثقافية في الأصل، لكن أيضا من النواحي الأخلاقية والاجتماعية والثقافية (6) .

وهذان المستويان أشبه بحديث الفلاسفة عن الوجود بالقوة والوجود بالفعل؛ فالأول هو النظرية الكامنة والثاني هو الموقف الفكري والتأسيس لفعل في العالم ومع الحضارات الأخرى.

فمفهوم الهوية وفق منظور الرؤية الحضارية هو الذي يستحق الجدل وليس منظوره الإستاتيكي الذي تورط فيه العديد من الكتاب العرب تحت شعار"من نحن ومن نكون؟"فمثل هذه الأسئلة في غنى عن أية إجابة مجهدة، والهوية أعمق من سؤال"من نحن ومن نكون؟"حيث إن هذه الأمور الثوابت لا تمثل في الواقع أسئلة فلسفية تستدعي الاختلاف أو التوتر الوجودي الذي يصاحبها ويصاحب مثيلاتها من الأسئلة.

ثانيا: إدارة التعاطي مع الهوية

أ - التناول الإستاتيكي والتبريري:

يتم تناول الهوية إستاتيكيا عن طريق المرادفة بينها وبين دوائر الانتماء، وهو هنا يتماهى مع التحدد العرقي -الذي يصعب تحدده بشكل علمي- والجغرافي بالخصوص.

أما التناول التبريري فنقصد به مرادفة البعض بين القطرية والهوية من قبيل حديث بعض المصريين عن أنفسهم كمصريين فقط كما كان عقب اتفاقية كامب ديفيد، أو حديث بعض العراقيين الآن في ظل التطورات المستمرة منذ حرب العراق 2003 عن عراق ضد العروبة وتكون صيحة"قطريين فقط"هذه مصمتة متجاهلة لعوامل الارتباط والاندماج أحد أشكال هذا التناول الإستاتيكي والتبريري للهوية وليس سوى تكريس لمنظورات سياسية معينة في مواجهة منظورات أخرى ربما في نفس القطر ومتجاهلة للأبعاد التاريخية والثقافية تكوّن القطر المشار إليه، وهو ما يمكن أن يكون مقبولا في حالة واحدة هي المرحلية والتمرحل ولكن لا شك يكون مرفوضا في حالة"الانخلاع"والقطيعة مع توجهات الجميع ودوائر الأمن القومي المختلفة.

ب- الهوية في الجدل الثقافي والسياسي:

يتم تناول الهوية على المستوى الثقافي كمحدد لما يمكن أن يسمى الخصوصية الثقافية أو الشخصية القومية، وبمثل هذا المفهوم يأتي الخوف الشرقي مما يسمى التنميط الثقافي للعولمة أو الخوف من الهجرات في الغرب خاصة في الولايات المتحدة، حيث يأتي حديث أمثال هانتيجتون وبول كروجمان عن الشخصية القومية الأمريكية التي يهددها الازدواج الثقافي واللغوي والتحدي الديمغرافي الناتج عن هجرات الهسبانيك ومن ثقافات أخرى مغايرة.

وهنا يحضر التاريخ والثقافة كعنصر مهم في تشكل الهوية -رؤية وموقفا- يتجلى في نشاطية الجماعات الثقافية في التكتل حول نفسها واتجاه معظمهم لتخليد وحفظ الذاكرة الخاصة بهم، مثلما تقوم به قبيلة الباوهاتان الهندية في الولايات المتحدة من تخليد ذكرى أول وأكبر قبيلة حاربت المهاجر الأبيض سنة 1511 وتؤكد في ذلك على خصوصيتها وذاكرتها بل تميزها.

ويتم الترادف في هذا السياق بين مفهوم الهوية وبين مفهوم الخصوصية الثقافية والحضارية أو الموقف الحضاري والقيمي، وهو أمر مهم أقره العهد الدولي الثاني للحقوق الثقافية والاجتماعية والثقافية، ويعد مخزونه حاملا مهمًّا من حوامل الفاعلية المجتمعية والسياسية، بل الإبداعية لكن شريطة عدم اعتبار هذه الخصوصية خصوصية مغلقة خارج التماس والتطور الحادث.

الثقافات والحضارات ليست أسوارا بين جزر متنافرة ومتحاربة، ولكنها تشكل في التاريخ يحمل من الاتصال والحوار أضعاف ما يحمل من الصراع والحراب.

فالهوية كتشكل ثابت يصير في التاريخ النسبي يخضع لعوامل التحدي والاستجابة حسب السياقات المختلفة التي تتجلى فيها الهوية خطابا وسياسات؛ فكل عناصر الهوية تستدعى في أثناء الحرب وفي أجواء المقاومة من عنصر ديني وثقافي وحضاري وإثني ولغوي، كما تستدعى حسب مستوى الاستقطاب الحادث بين الذات التي تمثلها حينئذ وبين الآخر المستنفر لها؛ ففي الجدل الوطني يأتي جدلها محمولا على حقوق الأقلية والأغلبية وفي الجدل العالمي يأتي في صورة حضارية أو تاريخية.

كما هو الشأن في عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر والحديث حول ثنائية الإسلام والغرب أو الدول الفقيرة والغنية، وفي العصر الاستعماري وعصر الحرب الباردة كان الحديث عن الجنوب والشمال، كما كان الحديث عن الشرق التحرري والغرب الإمبريالي، وفي ظل العولمة كان تجليه متنوعا حسب موقع الملتزمين خطاب الهوية ومرجعياتهم"عولمة أم ضد العولمة"شرقيين كانوا أو غربيين؛ فالهوية في عصر العولمة تأكد انتقالها من كونها دوائر انتماء مصمتة إلى كونها رؤية للعالم.

الهوية ومسألة المواطنة

من أكثر المستويات التي يتم استدعاء الهوية في جدلها المستوى المواطني على المستوى الحقوقي والوطني عند الحديث عن المواطنة كمفهوم مركزي في الدولة الحديثة يمثل مع السيادة الوطنية أهم مقومات الدولة القومية الحديثة.

والمواطنة في هذا التصور منتج طبيعي للحق في الجنسية، ولكنها في سياقنا المصري والعربي تأخذ شكلا جماعاتيا متعلقا بالطوائف الدينية والعرقية، ويكون الحديث فيه حول تأكيد هؤلاء هويتهم الطائفية أو بحث هوية الدولة -أي توجهاتها وسياساتها- التي تمثل خطرًا عليها وتنتهك الحقوق الثقافية والاجتماعية وربما الاقتصادية لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت