هذه الفوضى في الهوية والمؤسسات والانتقال بين حقبتين ونمطي إنتاج مختلفين خلقت فراغا هائلا في التكوين السياسي للبشر. من ذلك استفاد جيل كامل استطاع التنفس في ظل الليبرالية الاستعمارية التي أعطت الناس هامشا سياسيا وثقافيا سمح لهم بالتأهيل الذاتي والتكوين المعرفي بشكل يفوق بكثير تأهيل جيل حالة الطوارئ الذي عرفناه. الأمر الذي وفّر تدارك فجوات كبرى في طموح كبير لكسب معركة الزمن والبلوغ الضروري لبناء مستقبل مختلف. إلا أن دولة الاستقلال القطرية جاءت وليدة عوامل تعسفية أو بمحض الصدفة، كما يقول محمد حافظ يعقوب (7) . وصار السؤال المركزي: كيف يمكن بلورة هوية سياسية وثقافية ضمن حدود خضعت إما لإرادة موظفين من الدرجة الثانية في الإدارة الاستعمارية أو نتيجة لموازين قوى رجحت هذا الاتجاه أو ذاك؟ وحده الشعور الجماعي للمجتمع السياسي الجديد بالانتماء إلى قضية كبيرة واحدة كان وراء التماسك الضروري لإنجاز الاستقلال الأول، أو التخلص من نفس القيود وتجاوز نفس الإشكالية (الاستعمار المباشر) .
لذا لم يكن الرعيل الأول ابن ما يسمى بالنهضة وحسب، بل ابن الهوية الأكبر التي تسمح بالإطلال على العالم والعيش بالبعد الإنساني، أو على الأقل الكوني. هذا الرعيل أسس لحركة وطنية دينها العلم تعتبر معركتها في اللحمة الوطنية، أي قبول مكونات المجتمع السياسي كافة، وبرنامجها في فتح المدارس وتعلم الناس ومكافحة الهيمنة الخارجية. لم يحمل جيل الاستقلال مكارم هذا الجيل عندما جعل من الدولة الوطنية المفصّلة على مقاس مستعمريها دولة تدخلية في مواجهة مفتوحة مع المجتمع، وبالتالي في موقع معاد بالضرورة للأمة. عندما لم يعد بالإمكان تحقيق الشرعية السياسية من تحت، صار بإمكان التجمعات الحاكمة الجديدة الذهاب بعيدا في فرض تصورها مع قناعة واعية أو غير واعية تعتبر أن الوصول إلى السلطة يسمح لها بإعادة فبركة الهوية السياسية للناس على أنموذجها المسخ.
تبحث الهوية السياسية عن عناصر ارتكاز لها في الهوية الثقافية. ليس لأن الهوية الثقافية هي المعبر عن مصالح الجماعة، ولكن لأنها أصبحت في الصراع غير المتكافئ على السيطرة والهيمنة في العالم. الوسيلة الأكثر اقتصادا لبلورة برنامج متميز للجماعة، برنامج يختصر كل مسافات الابتكار السياسي والتجربة والخطأ والطرق المجهولة المآل. لكن حامل هذه الثقافة وهذه الهوية هو ابن القرن الواحد والعشرين، وليس من أهل الكهف. وبالتالي فهو يحمل في أعماقه كل معالم الصراع بين الاتكاء المريح على عنجهية الخطبة، والمواجهة الفعلية مع عنجهية القوة، الانكفاء على الذات وضرورة إعادة مناقشة مكونات الذات، قوة التعبئة التي تمنحها الهوية الثقافية ومحدوديتها في تعبئة القوة في الحياة العملية. لذا يمكن القول أن الهوية السياسية الدافع والغرض هوية متحركة متعددة المشارب قادرة على التجدد بشكل أسرع من الهوية الثقافية. وهي ابنة أوضاع أكثر منها ابنة ذاكرة جماعية وفردية ضرورية الاستحضار. من هنا شكلت أشكال الانتماء السياسي الترجمة الأكثر صدقا لمعطيات العصر، مهما كانت المرجعية الثقافية والرمزية لها. الأمثلة على هذا لا حصر لها، ولعل أكثرها بلاغة مفهوم التنظيم اللينيني عند حسن البنا، الهوية القومية الغربية في الاتجاهات القومية العربية، استنساخ النموذج الستاليني في نظرية الدولة عند المودودي. ليس فرج الحلو بل مصطفى السباعي من قال"لا أعتقد أن الاشتراكية"موضة"ستزول، بل هي نزعة إنسانية تتجلى في تعاليم الأنبياء ومحاولات المصلحين منذ أقدم العصور". من يستطيع إغفال التقاطعات المركزية بين الحزب القومي القائد والحزب الثوري وحزب الله المخلّص في زمن حالات الطوارئ التي أنجبت إيديولوجيات الطوارئ؟ أين البعد التقدمي لليبرالية العربية في بداية القرن العشرين كمشروع اجتماعي وسياسي تحرري من أفول التعبيرات الليبرالية العربية بعد قرن باعتبارها الترجمة الأمينة للجري الذليل النفس والروح وراء أفول المنابع؟
الانتماء القومي في الخمسينات، كان يعني التخندق في أتون حركة التحرر الوطني التي تجاوزت الثقافة القومية والاعتقادية. أما أن تكون شابا ماركسيا في العالم الثالث في 1968 فهذا يعني فيما يعني أن تكون ابن عصرك. أن تكون إسلاميا في الحقبة نفسها يعني أن ترد على عصرك وظروفك. الجيل الذي تلا تلك الحقبة، اجتمع عنده الانتماء الإسلامي والانتماء للمحيط والرد على العصر قبل أن يضع صلب عينيه، من دروس الواقع ومقتضيات الحياة، أن الانتماء للعصر لا يتعارض بشكل جوهري مع الانتماء للإسلام. لذا حطم الكومبيوتر في أيام الثورة الإيرانية الأولى ثم عاد ينظم دورات تعليمية في التكنولوجيا الحديثة وصولا لحوار الحضارات... في الجبهة العلمانية، كان هناك أغلبية تصر على القول أن العلمانية هي الكل، الإسلامية هي الاستقصاء. في كتابه،"مؤمنون أو مواطنون"يحاول محمد حربي التأكيد على هذا المعطى: المواطنة لا تمنع الإيمان، الإيمان يقيدها.. الواقع كان مختلفا تماما، العلمانية الإستئصالية همشت بل نبذت الإيمان. أما الإسلام السياسي بتياره العريض فقد تعلم من ضربات الواقع معنى التحرر من فكرة الحزب الواحد المخلص القائد التي أشعره القمع وخصمه السياسي والإيديولوجي ليس فقط بهزالتها، بل بالقرف منها. بهذا المعنى كان التعسف الذي عانى منه مدرسة للتسامح وإعادة اكتشاف الذات وقبول الآخر.
في حين لم ير عدد من المثقفين في السماح للحجاب في بعض الدول الأوربية إلا الإحراج الذي تسببه لدول كتركيا وتونس، كان علمانيون وإسلاميون رافضون للنظام التسلطي في تونس والميراث العسكري في تركيا يروجون أكثر فأكثر لفكرة حرية الاختيار في السفور والحجاب في تركيا كما في إيران. بدأت إذن بالتشكل معالم سياسية لهوية أكثر تماسكا ترى في المواجهة الدائمة بين المواطنة والإيمان حربا أهلية في الكلمة والواقع. ولعل هذه الثغرة في الإنتاج المشوه لحالات الطوارئ تترك الأمل في إمكانية وضع حد لآليات تدنيس الوعي.
الهوية، (بالمعنى الجمودي والساكن والمتمترس وراء حجاب العقل والرافض للثقافة باعتبارها محرك التجديد المجتمعي والفعل الذي يسمح بإعادة إنتاج وابتكار الذات) ، لم تعد سوى أنشودة الحماس في لحظات الاعتداء على شرف الأمة. الحركة، التغيير والقدرة على استنباط صورة الغد يحدثنا عنها"المثقف"محمد خاتمي بالقول:"التراث، كما هي الحضارة، شأن بشري يستحق التغيير وإن آمنا بأبعاد ثابتة في مجال حياة الإنسان المعنوية والعقلية والإرادية، فإنه يجب القول، بأن جانبا مهما، إن لم نقل جميعه، مما نصطلح عليه بالتراث، هو نتاج بشري متأثر بالظروف الاجتماعية والتاريخية للمجتمعات، وبالتالي فهو عرضة للتغيير وليس مقدسا وخالدا" (8) . لا يختلف هذا الطرح كثيرا عن مأثورة عصام العطار:"كيف نقبل الجمود، بل كيف يمكن الجمود في عالم تتجدد معلوماته ومعطياته ومطالبه ووسائله.. باستمرار لابد لنا من التجدد الدائم والإبداع المتواصل والجهاد المضني في كل مجال.. وإلا فقدنا حياتنا ووجودنا الفاعل المؤثر وأزاحنا الركب البشري عن طريقه وقذف بنا إلى هامش الهامش أو هوة التاريخ. فذهبنا جفاء كما يذهب الزبد وغثاء السيل ومحينا من لوحة الحاضر والمستقبل وتحولنا إلى ذكرى من ذكريات الماضي البعيد" (9) .