يقول الطهطاوي في كتابه (المرشد الأمين) :"لأن الشريعة والسياسة مبنيتان على الحكمة المعقولة لنا أو التعبدية التي يعلم حكمتها المولى سبحانه وتعالى، وإنما ليس لنا أن نعتمد على ما يحسنه العقل أو يقبحه إلا إذا ورد الشرع بتحسينه وتقبيحه"،"ولايسوغ لمتولي أن يحكم في التحريم والتحليل بما يلائم مزاجه فما يخالف الأوضاع الشرعية المنقولة عن الأئمة المجتهدين، ولاعبرة بالإستكراه النفساني والإستحسان الطبيعي والأخذ بالرأي من غير دليل، بل يعتمد متولي الأحكام على فتاوى العلماء وأقوال المجتهدين في الدين، فإن الإمامة تخلف النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا"،"وأما السلطنة الرسمية على الرعية فهي لاتكون إلا في البلاد التي تكون قوانينها محض سياسة وضعية بشرية، لأن قوانين هذه الممالك تبيح اختلاط الرجال بالنساء بناء على قانون الحرية المؤسس عليه تمدن تلك البلاد وإلا فتمدن الممالك الإسلامية مؤسس على التحليل والتحريم الشرعيين بدون مدخل للعقل تحسينًا وتقبيحًا في ذلك حيث لا حسن ولا قبيح إلا بالشرع"،"فكل رياضة لم تكن بسياسة الشرع لا تثمر العاقبة الحسنى، فلا عبرة بالنفوس القاصرة الذين حكموا عقولهم بما اكتسبوه من الخواطر التي ركنوا إليها تحسينًا وتقبيحًا، وظنوا أنهم فازوا بالمقصود يتعدى الحدود، فينبغي تعليم النفوس السياسة بطريق الشرع، لا بطرق العقول المجردة".
تأمل! تجد الطهطاوي هنا يناقض نفسه في قدرة العقل على التحسين والتقبيح!
فهل تراجع الطهطاوي عن رأيه السابق؟ هذا ما سنوضحه في خاتمة هذا الفصل.
رابعًا: أثر الفكر الطهطاوي على أرض الواقع:
(أ) تنحية الشريعة الإسلامية: يقول الطهطاوي في كتابه مناهج الألباب"ثم إن الحالة الراهنة اقتضت أن تكون الأقضية والأحكام على وفق معاملات العصر، بما حدث فيها من المتفرعات الكثيرة المتنوعة بتنوع الأخذ والإعطاء من الأنام".. كانا هذه أول تصريح بتنحية الشريعة الإسلامية والأخذ من قوانين غربية وبداية التشريع بغير ما أنزل الله!
(ب) : تحسينه لسلوك وآداب أهل الفرنجة: يقول الطهطاوي محسنًا مادحًا أهل الفرنجة:"ولاينكر منصف أن بلاد الفرنج الآن في غاية البراعة والعلوم الحكمية وأعلاها في التبحر. من ذلك بلاد الإنجليز والفرنسيس والنمسا، فإن حكماءها فاقوا الحكماء المتقدمين. وفلسفتهم أخلص من فلسفة المتقدمين، كما أنهم يقيمون الأدلة على وجود الله تعالى وبقايا الأرواح والثواب والعقاب. وإذا رأيت سياستها (أي باريس) علمت كمال راحة الغرباء فيها وحظهم وانبساطهم مع أهلها، فالغالب على أهلها البشاشة في وجوه الغرباء ومراعاة خاطرهم، ولو اختلف الدين، وذلك لأن أكثر أهل هذه المدينة إنما له من دين النصرانية الإسم فقط، حتى لا يتبع دينه، ولا غيرة له عليه، بل هو من الفرق المحسنة والمقبحة بالعقل، أو فرقة من الإباحيين الذين يقولون إن كل عمل يأذن فيه العقل صواب، فإذا ذكرت له دين الإسلام في مقابلة غيره من الأديان أثنى على سائرها من حيث إنها كلها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وإذا ذكرت له في مقابلة العلوم الطبيعية. وبالجملة إنه لا يصدق بشئ مما في كتب أهل الكتاب لخروجه عن الأمور الطبيعية. وبالجملة ففي بلاد الفرنسيس يباح التعبد بسائر الأديان، فلا يعارض مسلم في بنائه مسجد ولايهودي في بنائه بيعة إلى آخره".
ويقول الطهطاوي محسنًا ومادحًا لأهل باريس:"ظهر لي بعد التأمل في آداب الفرنساوية وأحوالهم السياسية أنهم أقرب شبهًا بالعرب منهم للترك ولغيرهم من الأجناس، وأقوى مظنة العرب بأمور العرض والحرية والإفتخار، ويسمون العرض شرفًا، ويقسمون به عند المهمات، وإذا عاهدوا عاهدوا عليه، ووفوا بعهودهم، ولا شك أن العرض عند العرب العرباء أهم صفات الإنسان".
ويقول أيضًا:"اعلم أن البارزيين يختصون من بين النصارى بذكاء العقل ودقة الفهم وغوص ذهنهم في العويصات، وليسوا مثل النصارى القبط في أنهم يميلون بالطبيعة إلى الجهل والغفلة، وليسوا أسراء التقليد أصلًا، بل يحبون معرفة أصل الشئ والإستدلال عليه".
ويمتدح نساء باريس وعفتهن!:"وحيث إن كثيرًا ما يقع السؤال عن حالة النساء عند الإفرنج كشفنا عن حالهن الغطاء. وملخص ذلك أيضًا وقوع اللخبطة بالنسبة لعفة النساء لا يأتي من كشفهن أو سترهن، بل منشأ ذلك التربية الجيدة والخسيسة، والتعود على محبة واحد دون غيره، وعدم التشريك في المحبة، والالتئام بين الزوجين، وقد جرب في بلاد فرانسا أن العفة تستولي على قلوب النساء المنسوبات إلى الرتبة الوسطى من الناس دون نساء الأعيان والرعاع؛ فنساء هاتين المرتبتين يقع عندهن الشبهة كثيرًا ويتهمون في الغالب".
أقول: هكذا تستمر التحسينات الطهطاوية لعلوم وآداب وسلوك وأخلاق أهل الفرنجة!! حتى العرض والشرف فهم والعرب سواء إن لم يكونوا أكثر غيرة وحمية للعرض والشرف من العرب كما هو واضح في ثنايا خطابه وأنفس كلماته!! فليس للعرب والمسلمين إلا الجهل والتخلف!! فالطهطاوي ينبري مدافعًا عن اتهام نساء الفرنجة بعدم العفة! ويدافع عن حياض فرنسا ويذب عن نساء باريس العفيفات الغافلات!!
ولعل الطهطاوي أراد أن يرد على المؤرخ العلامة عبد الرحمن الجبرتي الذي عاصر الحملة الفرنسية منذ احتلالها مصر إلى وقت خروجها منها حيث صور لنا الحياة الإجتماعية والتحلل الخلقي الذي ظهر في شوارع المحروسة على أيدي الفرنسيس (أهل العلوم والآداب والخلق القويم!!) .
ونحن بدورنا سننقل قول الجبرتي بنفس اللهجة المصرية التي كتب بها مؤلفه الماتع (عجائب الآثار) حيث يقول:"ومنها تبرج النساء وخروج غالبهن عن الحشمة والحياء وهو أنه لما حضر الفرنسيس إلى مصر ومع البعض منهم نساؤهم كانوا يمشون في الشوارع مع نسائهم وهن حاسرات الوجوه لابسات الفستانات والمناديل الحرير الملونة ويسدلن على مناكبهن الطرح الكشميري والمزركشات المصبوغة ويركبن الخيول والحمير ويسوقونها سوقًا عنيفًا مع الضحك والقهقهة ومداعبة المكارية وحرافيش العامة، فمالت إليهم نفوس أهل الأهواء من النساء الأسافل. فلما وقعت الفتنة الأخيرة بمصر وحاربت الفرنسيس بولاق وفتكوا في أهلها وغنموا أموالها وأخذوا ما استحسنوه من النساء والبنات صرن مأسورات عندهم فزيوهن بزي نسائهم وأجروهن على طريقتهن في كامل الأحوال فخلع أكثرهن نقاب الحياء بالكلية وتداخل مع أولئك المأسورات غيرهن من النساء الفواجر. ولما حل بأهل البلاد من الذل والهوان وسلب الأموال واجتماع الخيرات في غي جوار الفرنسيس ومن والاهم وشدة رغبتهم في النساء وخضوعهن لهن وموافقة مرادهن وعدم مخالفة هواهن لو شتمته أو ضربته...فطرحن الحشمة والوقار والإعتبار".
أقول: تأمل! هذا ما فعله الفرنسيس (أهل العلم والأدب والعرض والشرف!!) في نسائنا وبناتنا ومجتمعاتنا الإسلامية! فشهادة الجبرتي الذي عاصر احتلال جيوش نابليون لأرض مصر لم تعجب الطهطاوي!! فكأنه يوجه رسالة للجبرتي أنا قد سافرت إلى فرنسا وخالطت القوم ودخلت بيوت أهل باريس ومسارحهم وحتى مراقصهم، فلم أجد إلا الوقار والحشمة والعلم!!
لذلك لاغرو أن يثني طابور العلمانيين على هجوم نابليون واحتلاله لمصر لأنه جاء بحملة عسكرية حررت المرأة من رق الإسلام!! وأخرجت المرأة من قفص الحريم!!