افتتاح أول مجلس نيابي في تاريخ مصر والعالم العربي والإسلامي:
افتتح الخديو إسماعيل مجلس شورى النواب بخطبة العرش في 25 نوفمبر 1866م بالقلعة بمدينة القاهرة، وكان هذا أول مجلس نيابي في تاريخ الحياة البرلمانية للمصريين ذلك الأنموذج الغربي الذي تكلم عنه الطهطاوي في مؤلفاته.
المحاكم المختلطة:
كانت أول خطوة في سبيل إنشاء المحاكم المختلطة عندما فتح الخديو إسماعيل الوزارة الفرنسية في عام 1867 أي في حياة الطهطاوي فقد شهد ثمرة أفكاره وهو على قيد الحياة.
وفي أوائل شهر يولية 1870م تم طبع القوانين المصرية المختلطة فوزعها نوبار باشا على الدول المختلفة، فمرر اللورد (جرانفل) وزير الخارجية الإنجليزي إلى المركيز (دي لافاليت) سفير فرنسا في لندن في 22 يولية 1870 أنه بعد اطلاعه عليها يوافق تمام الموافقة على إنشاء الهيئة القضائية الجديدة المرغوب فيها بمصر، وعلى شكلها المبين في المشروع الفرنساوي""تم تشكيل هذه المحاكم في ذي القعدة 1291هـ (أول يناير 1875م) ، إلا أنها لم تفتح إبوابها إلا في شهر المحرم 1293هـ (فبراير 1876م) "."
أقول: وكانت هذه أول نطفة لاستبدال الشريعة الإسلامية وتنحيتها بشكل رسمي من قبل الخديو وعلى يد الطهطاوي وتلامذته من أمثال محمد قدري باشا أحد أعلام القانون الذي قام بعبء ترجمة القوانين الأوروبية وتقنينها وشرحها بعد الطهطاوي، وساهم في تخريب بنية المسلمين الشرعية، وقد تخرج على يديه زمرة من رواد القانون حتى جاء عبد الرزاق السنهوري باشا الذي استكمل مسيرة التخريب وقدم للحكام خدمات ومسوغات لإضفاء الشرعية على سلطانهم!!
وبناء على ما سبق اخترت عينة من كتابات بعض المفكرين والأدباء الذين أشادوا بالطهطاوي وبآثاره الفكرية لتعضيد ما وصلنا إليه من نتيجة.
يقول الدكتور حسين فوزي النجار:"ولعل أعظم ماقدمه محمد علي لمصر أنه وضع البذرة الأولى لتعليم عصري أخذت تؤتي أكلها في عصر إسماعيل، روى تربتها رفاعة الطهطاوي في كثير من الوصب والجهد ثم جاء علي مبارك فنماها وأوصل جذورها فأينعت وأثمرت، وشهد تباشير الطهطاوي في أخريات أيامه عندما تهيأت العقول لتقبل حركة الإصلاح وأخذت البلاد تسلك سبيلها إلى الثورة السياسية والفكرية والإجتماعية".
وتحت عنوان (أبو الديمقراطية المصرية) ، كتب عنه لويس عوض:"إن كفاح الشعب المصري في سبيل الديمقراطية قديم، وقد كان لمصر برلمان اسمه (البولا) قبل الفتح الروماني وكان مقره مدينة الإسكندرية، فعصف به الرومان. وقد حاول المصريون استخلاصه من أباطرة الرومان ولكنهم عجزوا لأنهم تمسكوا بمبادئ الحرية والمساواة غير أنهم فقدوا القدرة على التنظيم السياسي، أو على الأصح أفقدهم إياها غزاتهم. وبعد ألفي عام أو نحوهما من الحكم الأوتوقراطي، ظهر فيهم رفاعة رافع الطهطاوي لينادي بسيادة الشعب على الملوك وليفتح أعينهم على تجارب الأمم الأخرى في ممارسة الحرية والمساواة من خلال الدساتير والنظم النيابية".
ويقول سمير أبو حمدان عن الطهطاوي:"ومن هنا فإن الفضل يعود للطهطاوي في غرس فكرة الحياة البرلمانية الممثلة بالسلطة التشريعية في تربة البلاد الإسلامية وقد أنبت هذا الغرس الطيب (على حد زعم الكاتب) بعد سنوان من وفاة الطهطاوي، وذلك عندما قامت في مصر أول جمعية تشريعية على أساس انتخابي. والجدير بالذكر هنا أن الطهطاوي مهّد لفكرته هذه بترجمة لبنود الدستور الفرنسي وشرحها بحيث أصبحت في متناول الجميع من ساسة ورجال فكر وأناس عاديين. وكان رفاعة يرمي من وراء التفسيرات والشروح المسهبة لبنود الدستور الفرنسي إلى خلق وعي برلماني في مصر التي لم تكن قد عرفت حتى ذلك الوقت سوى المجالس الإدارية المعينة من قبل العثمانيين".
ويثني عليه محقق الأعمال الكاملة الدكتور محمد عمارة:"ولقد كان الطهطاوي هو المبشر بهذا الفكر الديمقراطي الليبرالي في ربوع الشرق التي ألفت طويلًا نمط الحكم الفردي (يقصد الحكم الإسلامي) بل لقد استطاع أن يضع كل أسس هذا النمط من أنماط التفكير والسلوك والممارسة السياسية بين يدي قومه".
أقول: نستطيع أن نقرر أن الشيخ رفاعة الطهطاوي أول من غرس النبتة الأولى للعلمانية الغربية، وأول من وضع النطفة الأولى لتنحية الشريعة الإسلامية، وأول من بشر بالفكر الديمقراطي على غرار المنظومة الغربية الذي يتعارض والشريعة الإسلامية.
الفصل الثالث -قضية التحسين والتقبيح
تقدمة:
إن قضية التحسين والتقبيح من أخطر القضايا التي قصمت ظهر أمتنا الإسلامية. فما نراه اليوم من قوانين وضعية، وتفسخات اجتماعية، وتحلل خلقي، وعلو الباطل في مجتمعاتنا...إلخ، كل ذلك نتاج قضية التحسين التي أثارها المعتزلة الذين قالوا بالتحسين والتقبيح بواسطة العقل، وأن العقل هو الذي يحكم بحسن الأشياء وقبحها بصرف النظر عن نصوص الكتاب والسنة. هكذا أُطلق للعقل العنان فصار العقل ربًا جديدًا!! فما يراه العقل حسنًا فهو حسن، وما يقبحه العقل فهو كذلك ولاعبرة بنصوص القرآن المنزل من لدن حكيم حميد، ولا بالسنة النبوية المطهرة طالما خالفها العقل!! ورغم ذلك لم تذكر كتب التاريخ والفرق أن المعتزلة كان يدور في خلدهم تنحية الشريعة الإسلامية.
لكن المعتزلة الجدد يرون تنحية الشريعة وفصلها عن الحكم بحجة تطوير الشريعة وأن هذا ما يستحسنه العقل في عصرنا الحاضر!! إذن قضية التحسين والتقبيح ليست ترفًا فكريًا أو جدلًا أصوليًا، بل نحن بصدد قضية لها افرازاتها ونتائجها الملموسة على أرض الواقع.
ومن منطلق هذه التقدمة نتناول هذه القضية عبر النقاط التالية:
أولًا: نبذة سريعة عن التحسين العقلي والتقبيح.
ثانيًا: موقف الطهطاوي من قدرة العقل على التحسين والتقبيح.
ثالثًا: تباين وجهة نظر الطهطاوي في قضية التحسين والتقبيح.
رابعًا: أثر الفكر الطهطاوي على أرض الواقع.
أولًا: نبذة سريعة عن التحسين العقلي والتقبيح:
يذكر علماء الأصول مسألة التحسين العقلي والتقبيح في باب الحاكم أي الذي صدر عنه الحكم وهو المشرع الحكيم؛ الله سبحانه وتعالى حيث قال (إن الحكم إلا لله) (ألاله الحكم والأمر) .. (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) والإجماع منعقد على أن الحاكم هو الله جل جلاله.
إلا أن العلماء اختلفوا في مسألة: هل المكلف مأخوذ بما يقضي به العقل أو هل يمكن للعقل أن يستقل بإدراك أحكام الله وإذا كان كذلك فهل يعد مصدرًا من مصادر الفقه الإسلامي؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على عدة أقوال:
القول الأول: رأي المعتزلة والشيعة الإمامية:"إن الحسن والقبح صفتان ذاتيتان لبعض الأشياء، وإن أشياء تتردد بين النفع والضرر والخير والشر. وبهذا يتحرر أن المعتزلة يرون أن الأشياء أقسام ثلاثة: أشياء حسنة في ذاتها لا يجوز إلا أن يأمر بها الله، وأشياء قبيحة في ذاتها، وهذه لايجوز أن يأمر الله بها، وأشياء مترددة بين الأمرين القبيح والحسن، وهذا القسم يجوز أن الأمر به والنهي عنه، فإن أمر به فهو حسن للأمر، وإن نهى فهو قبيح للنهي. وهذا تقرير مذهب المعتزلة وأساسه الحسن الذاتي والقبح الذاتي، وأن الحسن لذاته يكلف الشخص القيام به، وإن لم يعلم الشرع، والقبيح لذاته يكلف الشخص أن يتجتنبه، ولو كان يعلم نهي الشارع عنه"وترتب على هذا الرأي عدة أمور منها: