الصفحة 184 من 309

كنتُ أقرأ في الكتب التي ندرسها: أن الصوفي فلانًا غسلتْه الملائكة، وأن فلانًا كان يصلي كل أوقاته في الكعبة في حين كان يسكن جبل قاف، أو جُزُر الواق الواق (!!!) وأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مدّ يده من القبر وسلم على الرفاعي (!!) وأن فلانًا عذبته الملائكة لأنه حفظ القرآن والسنة وعمل بما فيهما، لكنه لم يحفظ كتاب الجوهرة في التوحيد (!!) وأن مذهبنا في الفقه هو الحق وحده، لأنه أحاديث حذفت أسانيدها (!!) .. كنتُ أقرأ كل هذا وأصدّقه وأؤمن به، وما كان يمكن إلا أن أفعل هذا.

كنتُ أقول في نفسي: لو لم تكن هذه الكتب حقًا ما دُرِّست في الأزهر، ولا درسها هؤلاء الهرمون الأحبار، ولا أخرجتها المطابع (!!) .

وتموج طنطًا بالوفود، وتعج بالآمين بيت الطاغوت الأكبر من حدب وصوب، ويجلس الشاب في حلقة يذكر فيها الصوفية اسم بخنّات الأنوف، ورجّات الأرداف ووثنية الدفوف، وأسمع مُنشد القوم يصيح راقصًا: (ولي صنم في الدير أعبد ذاته) فتتعالى أصوات الدراويش طروبة الصيحات: (إيوه كِدَه اكفر، اكفر يا مربي) فأرى على وجوه القوم فرحًا وثنيًا راقص الإثم بما سمعوا من المنشد الكافر، ثم سألت شيخنا: يا سيدي الشيخ، ما ذلك الصنم المعبود؟! فيزم الشيخ شفتيه ثم يقول: (انته لسه صغير) (!!)

وسكتُّ قليلًا، ولكن الكفر ظل يضج بالنعيق فكنت أستمع إلى المنشد وهو يقيء: (سلكت طريق الدير في الأبدية) (وما الكلب والخنزير إلا إلهنا) فأسئل نفسي في عجب وحيرة وذهول: ما الكلب؟ ما الخنزير؟ ما الدير؟.. حتى رأيتُ بعض شيوخي الكبار يطوفون بهذه الحمآت يشربون (القرفة) ويهنئون الأبدال والأنجاب والأوتاد (!!!) بمولد القطب سيدهم، (السيد البدوي) .

ومضى من عمر الشباب سنوات، فأصبحت طالبًا في كلية أصول الدين، فدرستُ أوسع كتب التوحيد -هكذا تسمى- فوعيتُ منها كل شيء إلا حقيقة التوحيد، بل ما زادتني دراستها إلا قلقًا حزينًا، وحيرة مسكينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت