الصفحة 183 من 309

كانت ترانيم الشيوخ -ومن بينها صوت الصبي- تتهدج تحت أضواء السحر بالتراتيل الوثنية، وما زلت أذكر أن صلوات ابن مشيش ومنظمة الدردير كانتا أحب التراتيل إلى أولئك الشيوخ، ومازلت أذكر أن أصوات الشيوخ كانت تَشْرُق بالدموع، وتئن فيها الآهات حين كانوا ينطقون من الأولى: (اللهم انشلني من أوحال التوحيد) (!!!) ومن الثانية: (وجُد لي بمجمع الجمع منك تفضلا) (!!!) ...

يا للصبي الغرير التعس المسكين !! فما كان يدري أنه بهذه الصلوات المجوسية يطلب أن يكون هو الله هوية وماهية وذاتًا وصفةً، ما كان يدري ما التوحيد الذي يضرع إلى الله أن ينشله من أوحاله، ولا ما جمع الجمع الذي يبتهل إلى الله أن يمن به عليه.

ويشب الصبي فيذهب إلى طنطا ليتعلم، وليتفقه في الدين، وهناك سمعت الكبار من الشيوخ يقسمون لنا أن (البدوي) قطب الأقطاب، يُصرِّف من شئون الكون، ويدبر من أقداره وغيوبه الخفية.. فتجرأتُ مرة فسألتُ خائفًا مرتعدًا: وماذا يفعل الله؟؟!! فإذا بالشيخ يهدرغضبًا، ويزمجر حنقًا فلذتُ بالرعب والصمت؛ وقد استشعرت من سؤالي وغضب الشيخ أنني لطّخت لساني بجريمة لم تُكتَبْ لها مغفرة، ولِمَ لا؟ والشيخ هذا، كبير، جليل الشأن والخطر، ما كنتُ أستطيع أبدًا أن أفهم أن مثل هذا الشيخ الأشيب -الذي يسائل عنه الموت- يرضى بالكفر، أو يتهوك مع الضلال والكذب، فصدّق الشاب شيخه وكذّب ما كان يتلو قبل من آيات الله: (ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه) . (يونس: 3) (!!)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت