لقد كانت خلافة الصديق باجتهاد ومشورة في المسلمين، ولكنها في الحقيقة بإشارة من النبي صلى الله عليه وسلم في مواقف كثيرة منها:
قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر) . قال العلماء: هذه إشارة إلى الخلافة لأنه يخرج منها للصلاة بالمسلمين.
وما أخرجه الشيخان عن المرأة التي أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن ترجع إليه. قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (إن لم تجديني فأتي أبا بكر(1) .
عن أبي موسى الأشعري قال: مرض النبي صلى الله عليه وسلم فاشتد مرضه، فقال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) قالت عائشة: يا رسول الله إنه رجل رقيق القلب إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس. فقال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) فعادت. فقال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس فإنكن صواحب يوسف) .
ولاشك أن هذا يدل دلالة واضحة على أن الصديق أفضل الصحابة على الإطلاق، وأحقهم بالخلافة، وأولاهم بالإمامة.
ولقد بويع الصديق في سقيفة بني ساعدة بعد أن اجتمع فيها الأنصار بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم يريدون أن يؤمروا سعد بن عبادة سيد الخزرج، فذهب إليهم أبو بكر ومعه عمر بن الخطاب وأمين الأمة أبو عبيدة. وبعد أن كثر اللغط وارتفعت الأصوات، وأحب الأنصار أن يتولوا هذا الأمر، ويكون منهم الخليفة، فلما واجههم المهاجرون برأيهم، قال قائلهم: منا أمير ومنكم أمير. عندئذ وقف الصديق رضي الله عنه وحمد الله وأثنى عليه، ومدح الأنصار وذكر محاسنهم، وانتصارهم للنبي صلى الله عليه وسلم وإيواءهم وإكرامهم للمهاجرين، وما ترك فيهم من خير إلا ذكره، ثم قال: ولن تعرف العرب هذا الأمر (الخلافة والرئاسة) إلا لهذا الحي من قريش، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيد عمر ويد أبي عبيدة بن الجراح، فارتفعت الأصوات، وكثر اللغط وخشي الاختلاف فابتدر الفاروق وقال للصديق: ابسط يدك نبايعك،
(1) أخرجه الشيخان.