والفضة، وغير ذلك، وتبيعوا مالكم من الحوانص الذهبية، والآلات النفيسة، ويقتصر كل الجند على سلاحه ومركوبه، ويتساووا هم والعامة، وأما أخذ الأموال من العامة مع بقاء ما في أيدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا).
وطبق السلطان فتوى الشيخ، فامتلأ بيت المال وجهزت الحملة، وأمدها الشيخ بروحه المؤمنة وتشجيعه، فخاضوا المعركة واثقين من نصر الله، فانكسر التتار وانتصر المسلمون في"عين جالوت".
ثم كانت الحادثة العجيبة التي لم يسمع بمثلها، لما أصبح الشيخ مسؤولا عن القضاء، وعن بيت المال، وعن تصحيح الأحكام الشرعية، نظر فرأى أن هؤلاء المماليك -وإن أصبحوا أمراء وبيدهم الحل والعقد، ومنهم من بلغ أن يكون نائب السلطنة- إلا أنهم من الوجهة الشرعية أرقاء وملك لبيت مال المسلمين، فأعلن الشيخ ذلك ورفض أن يصحح لهم بيعا ولا شراء ولا نكاحا، فتعطلت مصالحهم، واضطربت شؤونهم، وضاقت بهم الحياة، وأحسوا بالإهانة في أنفسهم، فغضبوا واجتمعوا وأرسلوا إلى الشيخ يستفسرون منه ماذا ينوي بهم، فكان الجواب الصريح الجريء: نعقد لكم مجلسا وينادى عليكم لبيت مال المسلمين، ويحصل عتقكم بطريق شرعي، فذهلوا، وطلبوا من السلطان التدخل، فطلب السلطان من الشيخ أن يتركهم وشأنهم، فما كان من الشيخ إلا أن حزم أمتعته ووضعها على حمار، وأركب أهله حميرا أخرى وسار خلفهم عازما على ترك مصر. وتسامع الناس بذلك، فلحق به أغلبهم، ولم يتخلف أحد من ذوي الشأن، وخصوصا العلماء والصلحاء والتجار وأمثالهم.
وبلغ السلطان ذلك، وقيل له: إن ذهب الشيخ، ذهب ملكك. فركب بنفسه ولحق الشيخ، واسترضاه، فاشترط الشيخ أن ينادي على الأمراء في المزاد. وجن جنون نائب السلطنة وقال: كيف ينادي علينا هذا الشيخ ونحن ملوك الأرض، والله لأضربنه بسيفي هذا. فركب بنفسه في جماعته، وجاء إلى بيت الشيخ، والسيف مسلول في يده، فطرق الباب فخرج ولد الشيخ، فرأى من نائب