فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 52

على بر واستحسان من الشيخ لحاله، وكان يسميه فيما سمعت: بالشاب الأسعد الصالح، وكان يأمر أهل الفضل ممن يلتمس بركته، بإيناس سيدي أبي العباس والنظر في مصالحه، وأسكنه خلوة في الزاوية المذكورة، وتسبب له في إقراء الأولاد القرآن، فإن سيدي أبا العباس كان يختار ألا يأكل إلا من كسبه أو ما علم وجه كسبه، ثم انتقل للعدوة الأخرى من سلا فنزل منها بزاوية الشيخ أبي زكرياء، الكائنة بقرب الجامع الأعظم وبدار المقدم عليها إذ ذاك، الشيخ أبي عبد الله محمد بن عيسى، تلميذ الشيخ أبي زكرياء المذكور، كل ذلك بعد وفاة الشيخ اليابوري، وكان اكتسابه في هذه المدة، من نسخه كتاب (العمدة، في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، وكان معجبًا بهذا التأليف مؤثرًا لحفظه، وفهمه، كثيرًا ما يندب إخوانه لذلك، وكان يقوم على حفظه وربما أقرأه تفهمًا لكثير من أصحابه، ينسخ فيه ثلاث نسخ في السنة غالبًا، ويسفرها بيده وربما صنع لها أغشية من جلد بيده، ويبيعها لمن يعرف طيب كسبه بدينار من الذهب العين للنسخة، لا يزيد على ذلك، وربما نقص منه اليسير، ومن ذلك توفر له ما اشترى به داره التي توفي بها في درب فرات من الجهة بإزاء باب معلقة من سلا، وفي هذه الدار شهر أمره وانتشر في الناس ذكره، واجتمع إليه الأصحاب وانضاف إليه المريدون وانحاش لجنابه التائبون، على كراهته في الشهرة وإيثاره للعزلة، وخصوصًا في هذا الوقت، وقد كان قبل يزور إخوانه الصالحين، ويأنس برؤيتهم ومحادثتهم وملاقاتهم، فصار بعد سكناه بهذه الدار قليلًا ما يظهر، وناء ما يبدو للعين ويبصر، وقل ما تأتي لقاؤه إلا لمن لا بد منه من المجاورين والمنقطعين لظله.

وأول من صحبه هنالك وأخذ عنه وتهدى بهديه: الشاب المبارك أبو عبد الله محمد الزهري، وكان أخص الناس به، وبسببه ائتلف أكثر من ائتلف معه على ما يأتي بعد إن شاء الله عند ذكر الزهري رحمه الله. وبهذه الدار لقيه المؤلف سنة ثلاث وستين وسبعمائة في أول شهر رجب الفرد، في جماعة من الزائرين له والمتبركين به الملتمسين منه الإفادة، وفدوا عليه من أهل فاس وأهل مكناسة، فرحب بهم ودعا لهم بالخير، وحض على ما فيه رضى الله من التقوى والوقوف مع أمر الله ونهيه، واتباع سنة الله ونبيه، وقراءة العلم والمبادرة إلى العمل بمقتضاه. وكثيرًا ما كان يردد: العلم بلا عمل كالشجرة بلا ثمر، وأخذ يرغب في الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، وينهى عن الاستخفاف بحقوق الله تعالى،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت