المراقبة والخوف، عالي الهمة والشرف، جليل المقام، ذاكرًا لعلم الحلال والحرام، متمكنًا في مقام الورع لا يشق فيه غباره، ولا تجهل آثاره.
أصله من شمنية وبها خلق ونشأ إلى أن حفظ القرآن وقرأ العلم واجتهد في الطاعات والعبادات، وانقطع لسبيل الأعمال الصالحات، ثم انتقل منها إلى الجزيرة الخضراء وأقام بها زمانًا مشتغلًا بتعليم كتاب الله تعالى، فلقي بها الأكابر من أهل المقامات، فأنس بهم ولاذ بمرافقتهم، منهم الشيخ المبارك صاحب الحالات والكرامات، أبو سرحان مسعود الأبله، وكان مأخوذًا عن نفسه، مسلوبًا عن حسه. مصروفًا بمحبة الله إلى ما يحمده بعد الحلول في رمسه، سمعت الشيخ سيدي أبا العباس يقول: كان الشيخ أبو سرحان عظيم الشأن، وذلك أنه كان يأتي إلي بالمسجد الذي كنت آوي إليه، فيؤنسني ويأنس إلي، فأتى إلي في بعض مجيئاته وأنا إذ ذاك مؤثر للخلوة بنفسي، في بيت في صومعة المسجد، فجلس إلي وأقبل يحادثني، فبينما نحن كذلك إذا حضرت الصلاة، فأردت الخروج لأصلي مع الناس، وكانت عندي أمانة لرجل مودعة في آنية في زاوية البيت، وكان يعنّ لأبي سرحان أن يصلي وحده منفردًا، فقلت في نفسي إن انصرفت وتركت هذا الرجل هنا - وإن غلب عليه الصلاح - فاستئماني له يعارضني فيه شمول الحكم، وتردد الخاطر في نفسي، قال: فنظر إلي شزرًا، وقال لي: سر لحاجتك ولا تخف على ما في الآنية الفلانية، فعلمت صدق الرجل لاطلاعه، ودفعت الخاطر عن نفسي ومضيت لصلاتي، قال الشيخ: ولما أن قرب وقت حصار النصارى للجزيرة، أتى إلي وقال لي: يا أخي إن هذه المدينة ستنزل عن قريب، فانصرف عنها قبل حلول البلاء بها، ففعلت تصديقًا له واعتمادًا على نور بصيرته، فكان الأمر كما قال، ونزلت بعد ذلك متصلًا بخروجه عنها.
رحل وحج ثم آب للمغرب، فقدم فاسًا المحروسة وأقام بها مدة، ثم رحل إلى مكناسة واستوطنها مدة، وبها إحدى أختيه إلى الآن والثانية بشمنية.
وقد كان مولانا الخليفة أبو عنان رضوان الله عليه، أجرى على هذه التي بمكناسة جراية كانت تتعيش منها طول حياته، نفع الله بها، ثم انتقل إلى سلا فنزل من رباط الفتح بزاوية الشيخ الكبير الشأن، صاحب الكرامات والحالات الحسان، أبي عبد الله اليابوري، وهو معروف القدر معلوم الحال، أحد شيوخ التربية والمنتخبين الأعلام، فأقام هنالك دهرًا طويلًا