ولأننا في حملة كبيرة فقد تخلف البعض عن الرحلة لعدم وجود مقاعد.. وكان من المتأخرين.. زوجي..
وصلنا إلى مطار الرياض وأخذنا جانبًا من الصالة ونحن ننتظر مع الحجاج بقية أقاربنا
طال انتظارنا.. وعندما أعلن عن وصول الرحلة القادمة.. حمدت الله وتدافعنا ننظر في وجوه القادمين..
وصل الجميع إلا زوجي..
أحد الحجاج ممن كان معنا.. أتى وهو متردد في الكلام.. بطيء الحديث وأخبرنا.. أن زوجي سيتأخر لرحلة قادمة.. وأشار علينا أن نذهب بدلًا من الانتظار..
تساءلت في نفسي.. ولماذا هو الوحيد الذي لم يعد!؟
? عندما وصلت فإذا بالهاتف يخبرنا أن زوجي أصابه إرهاق وتعب.. وقالوا.. هذا أمرٌ طبيعيٌ بعد الحج.. وقد ذهب به أحد الاخوة ممن كان معنا في المخيم إلى المستشفى..
انقطعت الأخبار إلا عن طريق الهاتف.. وأخبار تأتي مجملة.. ومتفرقة.. ومتأخرة!!
تسارعت الأحداث وشعرت أن الأمر كبير..
بدأت وفود الأقارب وحديثهم يذكرني بالموت ووجوب الصبر.. وكأن الأمر كذلك؟!
في مغرب ذلك اليوم.. وقد اعتلى الحزن هامتي.. وطرق الخوف قلبي.. أقبل رجلٌ وقور جاوز السبعين.. يلتحف عباءة ويمسك بيده عصا.. سلم عليّ وقبل رأسي.. وسألني عن حالي..
ثم دوى صوته الهامس في أذني..
احمدي الله.. لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بمقدار..
قولي.. اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرًا منها..
خفض صوته.. واغرورقت عيناه بالدموع وقال.. مات عبد الله.. وضعت رأسي على صدري.. وكتمت صوتي.. وأرسلت دمعي لا تزال بقايا رائحته في يدي.. بل وحتى قلمه وبعض أوراقه في حقيبتي.. بل ولباس إحرامه
أرى ثيابه في مكانها.. وحذاءه.. بل وكلماته الطيبة تعاودني في كل حين..
هناك سجادته التي يقوم فيها مصليًا لله في السحر.. هنا أوراق التقويم التي يمزقها كل يوم بيده وهو يردد.. هذه أعمارنا..
في كل مكان له أثر.. وفي كل أمر له خبر..
في تلك الأيام سقطت دمعتي.. وسقط جنيني..