الصفحة 9 من 56

جهة اخرى ، فهو يطلب في الكلام البليغ مساواة اللفظ للمعنى ، وكأن الايجاز الذي طبع عليه العرب ليس من البلاغة ايضًا . اما مشابهة آخر الكلام لأوله ، وموافقة مورده لمصدره ، واتصال اجزاء الكلام بعضها ببعض فهو شيء يعتد به في البلاغة ، ونعتبره من صميمها . وربما كان كلامه السابق لم يقصد به تعريف البلاغة بقدر ما قصد به وصف الكلام البليغ ، لأنه في موضع آخر ينوه بالاطناب والايجاز ، يوبين السبب في لجوء العرب اليهما ، حين سئل عمرو بن العلاء عن الاطناب والايجاز ، فقال على لسان الخليل ( يطول اللكلام ويكثر ليفهم ، ويوجز ويختصر ليحفظ ) (16) اي على حسب مقتضيات احوالهم ، فأذا ارادوا الافهام لجأوا الى الاطناب ، واذا قصدوا الرواية عنهم فضلوا الايجاز . ولكل مقام مقال .

وربما كان تعريفه للبلاغة بأنها ( كلمة تكشف عن البقية ) (17) تعطينا مفتاح البلاغة عنده ، فهي ايماء للمعنى والقصد اليه بأخصر لفظ واقصر سبيل . وهذا التعريف لا يختلف عن قول خلف الاحمر بان ( البلاغة لمحة دالة ) .

وللخليل تعريف ثالث للبلاغة ينقله عنه ابن رشيق والسبكي بأنها ( ماقرب طرفاه وبعد منتهاه ) (18) اي اختصار الالفاظ ، وازدحام المعاني .

وطبيعي ان الخليل لم يقصد بأقواله الثلاثة ان يضع تعريفًا علميًا للبلاغة ، وانما يحكي انطباعًا نفسيًا لما يستحسن من الكلام . ونستطيع ان نلمس من وراء اقواله المختلفة في البلاغة ، كما يراها: ايجاز مع تماسك وشدة اتصال بين اجزاء الكلام .

وقد تحدث الخليل عن خفة الالفاظ وسهولتها ، وعن ثقلها وشناعتها ، وما يطرأ على حروف الكلمة من تنافر بسبب قرب بعضها من بعض او بعده ، وقد اخذه عن الرماني ، كما تحدث عن الحذف سواء كان في الفصل او في الشرط ، اذا علم المخاطب المراد - وهو ما نسميه القرينة - كما في الحذف للايجاز والخفة .

(16) ابن رشيق: العمدة 1 / 186 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت