فكونه من البديع لايفهم الا انه تعبير جاء به امرؤ القيس ، دون ان يسبقه اليه قائل ، وأما كونها استعارة فواضح . وهكذا يكون دخول مثل هذه التراكيب في ( البديع ) عند الباقلاني ، قد جاء من جهة اولية استخدام الشاعر له في اساليب العرب . وذلك هو المعنى اللغوي .
كما يدل على ذلك ايضًا ان ليس كل استعارة ( بديعًا ) عنده ، وإنما البديع من الاستعارات - فيما يرى - مالم يسبق صاحبه الى مثله ، ولذلك نراه يقول: ( ومن البديع في الاستعارة قول امرىء القيس:
وليل كمروج البحر أرخى iiسدوله علي بأنواع الهموم iiليبتلي
فقلت له لما تمطي iiبصلبه وأردف أعجازًا وناء بكلكل (156)
فمفهوم من ذلك ان ليست كل استعارة بديعًا عنده ، وإنما ذلك وقف على المبتكر المخترع من الاستعارات .
ومن ذلك القبيل قوله: ( واستبدعوا تشبيه شيئين بشيئين على حسن تقسيم ) (157) .
ومعنى ( الاستبداع ) عد الشيء مبدعًا وآتيًا على غير مثال ) (158) .
وقد بدأ فصل ( في البديع من الكلام ) بقوله: ( إن سأل سائل فقال: هل يمكن ان يعرف اعجاز القرآن من جهة تضمنه من البديع ؟ قيل: ذكر اهل الصنعة ، ومن صنف في هذا المعنى من صفة البديع الفاظًا نحن نذكرها ثم نبين
(155) إعجاز القرآن: ص 70 .
(156) نفسه: ص 74 .
(157) نفسه: ص 72 .
(158) د . عبد الرؤوف مخلوق: الباقلاني وكتابه اعجاز القرآن: ص 286 ، 289 .
الدرس البلاغي في البصرة ـ 46 ـ
ماسألوه عنه ليكون الكلام واردًا على امر مبين ، وباب مصور ) (159) .
وهو يستعمل في لفظ ( البديع ) بالمفهوم الذي ذكرناه ، ضاربًا الامثلة ، مبتدئًا بأمثلة لايسمى الفن البلاغي فيها ، ثم يذكر - مع امثلته التالية - اسم الفن مرة ، تاركًا ذكره اخرى ، معرفًا الفن او تاركًا تعريفه .