الصفحة 158 من 402

[متن الكتاب] .

الباب الرابع في الكسب والحرفة.

مطلب في جواز أخذ مالِ الغير بإذنه:.

مطلب في جواز أخذ مالِ الغير بإذنه:

التورع والتوقي - من أكلِ طعام أهل الوظائف من الأوقاف، أو من بيت المال، مع اختلاط الجهلة (بالعلماء) ، والعوام (بالخواص، في التناول من الوظائف) - ناشئٌ من الجهل (بالأحكام الشرعية، وقصد الرياء، بإظهار التورع في غير مواضعه، والتهاون في موضع التورع) ، فكما ان الكسب (للأموال) بالبيع، والإجارةِ ونحوهما - إذا رُوعي فيها شرائطُ الشرع - حلالٌ طيب، كذلك الوقفُ إذا صحّ (1) ، وروعي فيه شرائطُ الواقف (2) ، فلا شبهة فيه أصلًا، إذ الصحابة رضي اللَّه عنهم وقفوا، وأكلوا منه (3) . وكذا بيتُ المال، يحلُّ لمن كان مصرِفًا له، إذا اخذ بقدْر الكفاية (4) .

وقد أخذ الخلفاء الأربعة - سوى عثمان (5) رضي اللَّه عنهم - منه، فلا فرق بين الوقف، وبيت المال، وغيرهما من المكاسب في الْحِلّ، والطِّيب، إذا رُوعي فيها شرائط الشرع، وفي الْحُرمة، والْخُبث إذا لم يراعَ، بل الأولان (6) أشبهُ وأمثلُ في زماننا، إذ أكثرُ بيوع أسواقنا، وإجاراتهم، باطلة، أو فاسدة، أو مكروهة، نعم الورعُ من (تناول) الشبهات، في الحلال والحرام، ليس كالورع في أمر الطهارة، والنجاسة، بل هو (7) أهمُّ في الدين، و (هو) سيرةِ السلف الصالحين، ولكن في زماننا هذا لا يمكن (ذلك الورعُ من الشبهات، في الحلال والحرام) ، بل لا يمكن الأخذ بالقول الأحوط في الفتوى (8) .

فتعين الأخذ - لا محالةَ في هذا الزمان - بما قال محمد (9) ، ومَنْ تبِعَه من المشايخ، وهو قول أئمتنا الثلاثة (10) : من جواز أخذ مالِ الغير بإذنه، ورضائه، بعوض، وبلا عوض، ما لم يعلم انه بعينه حرام، تمسكًا بأصولٍ مقررةٍ في الشرع: من أن اليدَ دليلُ الملك، وأن الأصل في الأشياء الإباحةُ، وأن اليقين لا يزول إلا بيقينٍ مثْله، وأن الأثمانَ النقودَ، لا تتعين في العقود، والفسوخ، لا سيما الصحيحين (11) ، بل الثمن يثبت في الذّمة، ولو حالًا ومنجّزًا، بخلاف المبيع. وبما قال الكرخي (12) : وقد صرحوا بكون الفتوى عليه في زماننا، وأن المشترى بحرام بعينه، حلالٌ طيّب، إلاّ أن يشار إليه حين العقد، ويُسَلّم، فيكون مِلكًا خبيثًا، وبما ذهب إليه أبو حنيفة (10) : من أن الخلط، الرافع للتمييز، استهلاكٌ، موجب للتملك، والضمان (13) ، وبما روي عنه: أن سبب الطيب في الشيء المغصوب، وجوبُ الضمان على الغاصب، لا أداؤه. نعم مالا يُدْرك كلُّه لا يترك كلُّه، فالأَوْلى، والأَحْوَط الاحتراز عن بعض الشبهات، مما فيه أمارة ظاهرة للحرمة، وممن له شهرة تامّة بالظلم، أو الغصب، أو السرقة، أو الخيانة، أو التزوير، أو نحوهما، مما يمكن الاحتراز عنه، من غير ترك ما فعله أولى منه بدء، أو فعل ما تركه كذلك.

فإذا لم يمكنِ الورعُ عن الشبهات المالية في زماننا، فالمرجو من فضل اللَّه تعالى أنّ مَن اتَقى، وتورع في غيرها، يحصُل له ثواب المتقي، والمتورِّع في الكلّ، لأن الطاعة بحسب الطاقة (14) .

(1) من أصله، بأن ثبت لمالكه الحوز، والملك، على مقتضى الوجه الشرعي، وكان وقفًا نافذًا شرعًا، وقد تناول منه صاحب الوظيفة وظيفته. شط.

(2) من غير إخلال بشيء، بأن باشر الإمامة، والخطابة، والتدريس، ونحو ذلك، بقصد وجه اللَّه تعالى، لا بقصد العمل من أجل الوظيفة، فإن كان بقصد الوظيفة، فإنه لا يستحقها، لأن ذلك معصية، والواقف لم يجعل وقفه على أهل المعاصي، فلينتبه له، فإنه مهم جدًا - شط -.

(3) أي أكلوا من محصل ذلك بلا نكير منكِر منهم. روى أن عمر رضي اللَّه عنه، كانت له أرض تدعى (تمغ) ، فقال عمر رضي اللَّه عنه: يا رسول اللَّه، إني استفدت مالًا، وهو عندي نفيس، أفأتصدق به؟ فقال عليه الصلاة والسلام:"تصدق بأصلها، لا تباع، ولا توهب، ولا تورث، ولكن لتنفق ثمرته"، وكذا وقف رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حوائط. شط.

(4) والمصارف: هم المقاتلة، وأمراؤهم، والولاة، والقضاة، والمحتسبون، والمفتون، والمعلمون، وقراء القرآن، والمؤذن، وكل من قُلّد شيئًا من أمور المسلمين، وذراريهم.

(5) عثمان بن عفان رضي اللَّه عنه، أمير المؤمنين، ذو النورين، ثالث الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، ولد بمكة (47 ق. ه) ، وأسلم بعد البعثة بقليل، جهز جيش العسرة، تولى الخلافة عام (23 ه) ، فأتم الفتوحات: وأتمّ جمع القرآن، وهو أول من زاد في المسجد الحرام، ومسجد الرسول عليه الصلاة والسلام. وقدّم الخطبة في العيد على الصلاة، وأمر بالأذان الأول يوم الجمعة، واتخذ الشرطة، ودارًا للقضاء. روى عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم (146) حديثًا. لقب بذي النورين، لتزوجه بنتي النبي صلى اللَّه عليه وسلم على التتابع، السيدتين: رقية، ثم أم كلثوم بعد وفاة السيدة رقية. قتله بعض الثوار المجرمين، صبيحة عيد الأضحى وهو يقرأ القرآن في بيته بالمدينة سنة (35 ه) . أعلام. قلت: ولعله لم يأخذ لاستغنائه عن ذلك. شط.

(6) أي البيع، والإجارة.

(7) أي الورع من الشبهات.

(8) وهذا ما اختاره الفقيه أبو الليث السمرقندي، رحمه اللَّه تعالى، من انه إن كان - في غالب الظن - أكثرُ مال الرجل حلالًا، جاز لك قبول هديته، ومعاملته، بالبيع له، والشراء منه، وإجارته، والاستئجار منه، ونحوِ ذلك، وإلاّ فلا، لأنّ الحرمة تتعدى في الأموال، مع العلم بها، إلاّ في حق الوارث، فإن مال مورثه حلال له، وإنْ علم بحرمته، إذا كان لا يعلم أرباب الأموال، انظر صفحة - 74 - .

وقال قاضجيان، في فتاواه المشهورة: قالوا: ليس زماننا زمانَ اجتناب الشبهات، لعدم إمكان ذلك، وغنما الواجب على المسلم أن يتقي الحرام الْمُعَايَن، وكذا صاحب الهداية. وزمانهما قبل ستمائة سنة من الهجرة النبوية. ولا خفاء أنّ الفساد، والتغيّر، يزيدان بزيادة الزمن، لبعده عن عهد النبوة. فالورع، والتقوى في زماننا: في حفظ القلب، واللسان، وسائر الأعضاء، والتحرز عن الظلم، وإيذاء الغير، بغير حق ... انظر شط. وانظر صفحة - 105 - من هذا الكتاب في ترجمة أبي الليث، وصفحة - 49 - 80 - في ترجمة قاضجيان. وصاحب الهداية: برهان الدين على بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني المرغيناني، الرشتاني، المتوفى سنة (593 - ه - 1197 م) . ألفها في /13/ سنة، وكان مدة تأليفه صائمًا، مجتهدًا، لا يطلع عليه أحد، فكان يأتيه الخادم بالطعام، فيضعه بين يديه، ويمضي، وهو مشغول بالمطالعة، فإذا مضى، دفع الطعام إلى سائل، فكان كتابه، بسبب ذلك الزهد، والورع، مقبولًا في الآفاق، وهو شرح على متن له سماه بداية المبتدي، ولكنه، في الحقيقة، كالشرح لمختصر القدوري، والجامع الصغير لمحمد. فهرس المخطوطات للفقه الحنفي.

(9) مرت ترجمته في صفحة - 7 - .

(10) وهم أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد انظر صفحة - 7 - 8 -

(11) أي العقد، والفسخ الصحيحين.

(12) عبيد اللَّه الكرخي، أبو الحسن، أخذ الفقه عن أبي سعيد البردعي، عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، عن أبيه، عن جده، انتهت إليه رياسة الحنفية، عدّوه من المجتهدين في المسائل، له: شرح الجامعين: الصغير، والكبير، ولد في الكرخ عام (874 م - 260 ه) ، وهي من قرى العراق. كان كثير الصوم، والصلاة، قانعًا، متعففًا، عابدًا، كبير القدر.

توفي ببغداد سنة (340 ه - 952 م) . أعلام، وفوائد.

(13) فيضمن مثلها أربابها، و تصير تلك الدراهم المختلطة في ملكه، يتصرف بها كيف يشاء. شط.

(14) ط 2 - 716 -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت