والثاني: أن يكون معناه كثير التصديق بالحق حتى يصير مشهورا به، والأول أولى لأن المصدق بالشيء ربما لا يوصف بكونه صديقا إلا إذا كان صادقا في ذلك التصديق فيعود ذلك الأمر إلى الأول.
فإن قيل: الدليل على القول الثاني قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ [1] .
قلنا: إنما سماهم صديقين لكونهم صادقين في ذلك التصديق، واعلم أن النبي يجب أن يكون صادقا في كلّ ما أخبر به لأن الله تعالى صدقه ومصدّق الله صادق وإلا لزم الكذب في خبر الله وهو محال فيلزم من هذا كون الرسول صادقا في كل ما يخبر عنه، ولأن الرّسل شهداء الله على الناس على ما قال تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هاؤُلاءِ شَهِيدًا [2] والشهيد إنما يقبل قوله إذا لم يكن كاذبا.
فإن قيل: فما قولك في إبراهيم عليه السلام حين كذب ثلاث كذبات وهو قوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ [3] وقوله: إِنِّي سَقِيمٌ [4] وقوله: هذه أختي.
قلنا: معاذ بالله أن يكذب إبراهيم عليه السلام، وسنجيب عن هذا الكلام في باب عصمة الأنبياء عليهم السلام.
فثبت أن كل نبي يجب أن يكون صديقا ولا يجب أن يكون [5] ، كلّ صديق
(1) الحديد: (19) .
(2) النساء: (41) .
(3) الأنبياء: (63) .
(4) الصافات: (89) .
(5) صديقا ولا يجب أن يكون زيادة يقتضيها السياق.