قال تعالى في سورة مريم [1] عليها السلام: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا.
اعلم أن الغرض من هذه السورة من أولها إلى آخرها بيان التوحيد والنبوّة والمعاد، والمنكرون للتوحيد هم الذين أثبتوا معبودا سوى الله تعالى وهم فريقان:
منهم من أثبت معبودا غير الله حيّا عاقلا فاهما وهم النصارى ومنهم من أثبت معبودا غير الله جمادا وهم عبدة الأوثان.
والفريقان وإن اشتركا في الضلال إلا أن ضلال الفريق الثاني أعظم؛ فلّما بيّن الله تعالى في هذه السورة الضلال المبين في الفريق الأول وهم النصارى تكلم بعده في شرح الفريق الثاني وهم عبدة الأوثان فقال:"وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ"والواو في قوله:"وَاذْكُرْ"عطف على قوله:"ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا"كأنه لما انتهت قصة زكريا وعيسى عليهما السلام قال: يا محمد قد ذكرت لهم حال زكريا وعيسى فاذكر لهم حال إبراهيم.
وإنما شرع في قصة إبراهيم لوجوه:
الوجه الأول: أن إبراهيم كان أبا للعرب وكانوا مقرّين بعلّو شأنه وطهارة دينه على ما قال تعالى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ [2] وقوله تعالى: وَمَن
(1) مريم: (41) ، (42) .
(2) الحج: (78) .