أما على الجانب الأمريكي فهناك تزايد في الخلافات مع كل إخفاق في الميدان أو تزايد للخسائر، وكان من أعظم الاستقالات استقالة بيرل أحد مستشاري وزير الدفاع وعضو المجلس الاستشاري لوزارة الدفاع، وهو أحد مخططي العدوان على العراق، فاستقالته جاءت مع شدة الانتقادات الموجهة لوزير الدفاع في إخفاقهم الكبير في الخطة.
وتزايد الاستقالات والخلافات السياسية والعسكرية تنذر بانفراط عقد الحلف الصليبي، مما سينعكس على خلل في الميدان وانهيار للجندي الصليبي ولقيادته التي ستتخبط، وبعد تجاوز الحرب للأيام الستة التي قال وزير الدفاع الأمريكي أنها المدة التي ستحسم فيها الحرب يزداد الموقف سوء بالنسبة لهم مما سيؤثر على الميدان بشكل كبير جدًا.
العامل الرابع: وقوع خسائر فادحة فوق ما كانت تتوقعه الإدارة العسكرية الصليبية للحرب، فالعسكريون عندما يضعون خطة ما لأي حرب فإنهم يقدرون الحد الأعلى للخسائر التي لا يمكن أن تتحمل الخطة المواصلة في ظلها، ويضعون أيضًا الحد الأدنى للخسائر التي يجب ألا تزيد عليها، ولو فرضنا أن الأمريكان وضعوا كحد أعلى لخسائرهم البشرية عشرة آلاف جندي، فمعنى هذا أن العراقيين لو أوقعوا 50 جنديًا يوميًا فإنهم لن يصلوا إلى الحد الأعلى الذي سيغير مجريات الحرب ويربك الخطة ويوقف العمل بها إلا بعد ستة أشهر، ويمكن أن يكون هذا العدد أكثر مما وضعه الأمريكان وربما يكون أقل وهذا العدد للحد الأعلى افتراض منا غير دقيق وهو للتمثيل فقط، ولابد أن نعلم من خلال تحليل التصريحات الأمريكية كم هو الحد الأقصى بالنسبة لهم.
إلا أن هناك حالة يمكن أن يحقق العراقيون فيها إرباك الخطة أو توقيفها دون الحاجة إلى الوصول للحد الأعلى من التوقعات، وهي أن يدخلوا جنود الصليب في مجازر جماعية تصل إلى خمسمائة جندي دون أن ينجو منهم أحد، مع تصويرهم بالعدد ونشر ذلك بشكل كبير جدًا، ولو صدق وزير الإعلام الصحاف بأن خسائر الصليبيين في المطار تصل إلى 300 جندي فإن إظهار هذا العدد على الشاشات كاف بإذن الله تعالى لتحقيق الهدف، فإذا لم يستطيعوا إدخال مثل هذا العدد الكبير في كمين واحد، يمكن لهم أن يدخلوا أقل من هذا العدد في كمائن متفرقة بأعداد أقل في يوم واحد، ليعلم الصليبيون أن هذا العدد حصيلة يوم واحد، ومعنى هذا أنهم بحاجة إلى ثلاثة عمليات أو أربع من هذا النوع ليصلوا إلى معطيات مروعة، ولن ينتظروا بالطبع حتى يحصل هذا الأمر، وإذا انتظروا فلن ينتظر الجندي الصليبي أو الشارع الأمريكي حتى تتكرر هذه المجزرة، مما سيربك الخطة أو يوقفها وربما يوقف الحرب، ولكن على العراقيين أن يبحثوا كيفية إدخال العدو في مثل هذه الكمائن داخل المناطق السكنية، أو عن طريق إدخالهم إلى مراكز مهمة ملغمة بأطنان من المتفجرات تحصدهم بشكل مروع، المهم أن هذا العامل يعتمد على ترويع العدو والتأكيد له أن خسائره ستكون فادحة أكثر مما يتوقعه، فإذا تأكد أن الخسائر ستفوق توقعاته كمًا أو كيفًا فإن هذا سيربك خططه أو يوقفها.
العامل الخامس: تحول الحرب إلى حرب مدن عنيفة، يثبت العراقيون فيها أنهم رتبوا ونظموا قواتهم بشكل جيد لهذه المرحلة، وأن الوقت لا يزيدهم إلا قوة في المقاومة والنكاية بالعدو، ودخول الحرب إلى هذه المرحلة له إيجابيات كثيرة جدًا بالنسبة للقوات العراقية، وله سلبيات كثيرة أيضًا بالنسبة للقوات الصليبية عرضنا لطرف منها، بشرط أن يشارك المدنيون بدفع هذا الأسلوب مع القوات العراقية بنسبة من 30 إلى 50 % حسب المدن، هذه المرحلة من الحرب تنذر بخسائر فادحة وإنهاك لم يكن متوقعًا للصليبيين، خاصة بعد استبعاد التكنلوجيا الصليبية بعيدًا عن الجندي الصليبي الذي سيواجه العراقيين في حرب مدن عنيفة، هذا الأسلوب من حرب المدن يمكن أن يصبر الصليبيون عليه لمدة ستة أشهر كتقييم له، فإذا لم يزده الوقت إلا قوة ولم تظهر عليه بوادر الضعف فمعنى ذلك أن رهانهم على إخماد هذا الأسلوب رهان فاشل مما سيضطرهم ربما إلى الاكتفاء بوضع حكومة عميلة لهم والتنصل من العراق لتواجه الحكومة مصيرها كما هو الحال في أفغانستان، ونشير إلى أن أسلوب حرب العصابات أوقع في صفوف الصليبيين وعملائهم في أفغانستان خسائر أكبر بكثير من أسلوب الحرب النظامية، وهو أيضًا أقل خسائر في صفوف المجاهدين والمدنيين من الأسلوب النظامي، فعلى العراقيين وأنصار العراق أن يسعوا بكل جهودهم إلى المحافظة على هذا الأسلوب في حال العجز عن كسر الصليبيين بالطريقة النظامية، لتصبح العراق جحيمًا على الصليبيين كما هي فلسطين جحيمًا على اليهود، فدخول الصليبيين للمدن ليس نهاية المطاف بل هو بداية مرحلة أعنف من الماضية.