يمكننا أن نستشفَّ مما تقدم الجهة التي انتصب بها الاسم بعد نزع حرف الجر ، وهي متعلَّق الجار قبل نزعه ، وذلك أنَّ تعلُّقَ حرفِ الجر بالفعل أو ما يشبهه هو ارتباطه به ارتباطًا معنويًا ، ليكون من متمِّماتِ ذلك العاملِ وقيوده ، فإذا ما نزِع حرفُ الجر وانتصب الاسمُ كان المنصوبُ قيدًا لذلك العامل فيكون عندئذٍ متعلَّقُ الجار قبل نزعه هو عاملُ النصب في الاسم بعد نزع الجار . أقول هذا متجاوزًا الجدل الطويل في ما يسمى بنظرية العامل في النحو العربي (1) ، معتمدًا العامل النحوي أساسًا من أسس هذا البحث .
فما تقرر آنفًا من أن العامل في المنصوب على نزع حرف الجر هو متعلَّقُ الجار قبل نزعه ،قولُ أكثر النحويين ، يقول المبرد:"إذا حذفتَ حروف الإضافة من المقسم به نصبته ؛ لأن الفعل يصل فيعمل ، فتقول: اللهَ لأفعلنَّ ، لأنك أردت: أحلفُ اللهَ لأفعلن ، وكذلك كل خافضٍ في موضع نصبٍ إذا حذفته وصل الفعل فعمل في ما بعده ، كما قال الله عز وجل: { واختار موسى قومه سبعين رجلًا } (2) أي: من قومه" (3) ولهذا سمِّيتْ هذه الصورةُ من صور نزع الخافض بـ ( الحذف والإيصال ) أي: حذف حرف الجر وإيصال أثر العامل إلى الاسم المجرور فينصبه ، يقول الفارسي:"والجار إذا حذفوه ... على ضربين:"
أحدهما: أن يوصَل الفعلُ ، كباب الظرف ، واخترتُ الرجالَ زيدًا .
(1) ينظر تفصيل القول فيها في: الرد على النحاة: 69 ، وإحياء النحو: 22 ، 29-41 ، 195، والنحو الوافي: 1/73 ، وفي التحليل اللغوي: 51 .
(2) الأعراف: 155.
(3) المقتضب: 2/321. وينظر: 2/342 ، 4/330-331.