فشربت حتى أني لأرى الري يخرج من أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: العلم وهو في معنى الميراث. وبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - نذيرا؛ لقوله:"إنما أنت نذير"وقال في العلماء:"فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم"الآية! وأشباه ذلك.
(والثاني) أنه نائب عنه في تبليغ الأحكام؛ لقوله:"ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائبة"، وقال:"بلغوا عني ولو آية"، وقال:"تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن يسمع منكم". وإذا كان كذلك فهو معنى كونه قائما مقام النبي.
(والثالث) أن المفتي شارع من وجه؛ لأن ما يبلغه من الشريعة إما منقول عن صاحبها، وإما مستنبط من المنقول، فالأول يكون فيه مبلغا. والثاني يكون فيه قائما مقامه في إنشاء الأحكام؛ وإنشاء الأحكام إنما هو للشارع. فإذا كان للمجتهد إنشاء الأحكام بحسب نظره واجتهاده فهو من هذا الوجه شارع، واجب اتباعه والعمل على وفق ما قاله. وهذه هي الخلافة على التحقيق؛ بل القسم الذي هو فيه مبلغ لا بد من نظره فيه من جهة فهم المعاني من الألفاظ الشرعية، ومن جهة تحقيق مناطها وتنزيلها على الأحكام. وكلا الأمرين راجع إليه فيها، فقد قام مقام الشارع أيضا في هذا المعنى. وقد جاء في الحديث"أن من قرأ القرآن فقد أدرجت النبوة بين جنبيه"
وعلى الجملة فالمفتي مخبر عن الله كالنبي، وموقع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره كالنبي، ونافذ أمره في الأمة بمنشور الخلافة كالنبي. ولذلك سموا أولي الأمر، وقرنت طاعتهم طاعة الله ورسوله في قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"والأدلة على هذا المعنى كثيرة". [1] "
والآن على ضوء ذلك ما هي أبرز مواصفات العالم كما يمكن أن نستخلصها من صفات علمائنا على مدار التاريخ الإسلامي؟
أبرز مواصفات علمائنا على مدار التاريخ الإسلامي هي:
1 -أنهم كانوا ربانيين:
(1) الشاطبي. الموافقات (ج 4، ص 244) .