الصفحة 47 من 94

وخرج أبو داوود عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه"."

وعن عرفجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"سيكون من أمتي هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر المسلمين وهم جميع فاضربوه بالسيف كائنا من يكون".

فاختلف الناس في معنى الجماعة المرادة في هذه الأحاديث على خمسة أقوال:

أحدها: أنها السواد الأعظم من أهل الإسلام وهو الذي يدل عليه كلام أبي غالب: أن السواد الأعظم هم الناجون من الفرق، فما كانوا عليه من أمر دينهم فهو الحق، ومن خالفهم مات ميتة جاهلية، سواء خالفهم في شيء من الشريعة أو في إمامهم وسلطانهم فهو مخالف للحق.

وممن قال بهذا أبو مسعود الأنصاري وابن مسعود، فروي أنه لما قتل عثمان سئل أبو مسعود الأنصاري عن الفتنة، فقال: عليك بالجماعة فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة، واصبر حتى تستريح أو يستراح من فاجر. وقال إياك والفرقة فإن الفرقة هي الضلالة. وقال ابن مسعود: عليكم بالسمع والطاعة فإنها حبل الله الذي أمر به. ثم قبض يده وقال: إن الذي تكرهون في الجماعة خير من الذين تحبون في الفرقة. وعن الحسين قيل له: أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: إي والذي لا إله إلا هو، ما كان الله ليجمع أمة محمد على ضلالة.

فعلى هذا القول يدخل في الجماعة مجتهدو الأمة وعلماؤها وأهل الشريعة العاملون بها، ومن سواهم داخلون في حكمهم، لأنهم تابعون لهم ومقتدون بهم، فكل من خرج عن جماعتهم فهم الذين شذوا وهم نهبة الشيطان ويدخل في هؤلاء جميع أهل البدع لأنهم مخالفون لمن تقدم من الأمة، لم يدخلوا في سوادهم بحال.

والثاني: أنها جماعة أئمة العلماء المحتهدين، فمن خرج مما عليه علماء الأمة مات ميتة جاهلية، لأن جماعة الله العلماء، جعلهم الله حجة على العالمين، وهم المعنوين بقوله عليه الصلاة والسلام:"إن الله لن يجمع أمتي على ضلالة"وذلك أن العامة عنها تأخذ دينها، إليها تفزع من النوازل، وهي تبع لها. فمعنى قوله:"لن تجتمع أمتي"لن يجتمع علماء أمتي على ضلالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت