قوله تعالى في سورة الصافات على لسان إبراهيم عليه السلام: {إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون أئفكا آلهة دون الله تريدون} [الصافات: 83 - 87] . وقوله في سورة الشعراء: {قال لأبيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين} [الشعراء: 69 - 71] .
فجاء في الأولى بـ (ماذا) : (ماذا تعبدون) وفي الثانية بما (ما تعبدون) ، وذلك لأن الأولى موقف تحد ظاهر، ومجابهة قوية، بخلاف الثانية، يدلك على ذلك السياق، فإن المقام في الأولى ليس مقام استفهام، وإنما هو مقام تقريع، ولذلك لم يجيبوه عن سؤاله، بل مضى يقرعهم بقوله: {أئفكا آلهة دون الله تريدون} .
وأما في الثانية فهو مقام استفهام المحاجة إذ قال لهم: {ما تعبدون} فأجابوه: {قالو نعبد أصناما فظل لها عاكفين} .
فسألهم: {قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون} [الشعراء: 72 - 73] . فأجابوه قائلين: {بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} [الشعراء: 74] .
فأنت ترى أن المقام مقام محاجة، بخلاف الأولى فإنه مقام تحد وتقريع ومجابهة، ويوضح ذلك نهاية السياقين.
ففي آية الشعراء قال: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} [الشعراء: 75 - 77] .
وأما في آية الصافات فانتهي السياق بتحطيم الأصنام وتحريقه بالنار، فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربا باليمين فأقبلوا إليه يزفون قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعبدون قالوا ابنوا له بنينا فألقوه في الجحيم [الصافات: 91 - 97] .
فثمة فرق كبير بين النهايتين، وبين السياقين، فجاء في مقام المجابهة وشدة التحدي بـ (ماذا) دون المقام الآخر الذي جاء فيه بـ (ما) .
جاء في (درة التنزيل) في هاتين الآيتين:"للسائل أن يسأل عن زيادة (ذا) في قوله (في الصافات) (ماذا تعبدون) وإخلاء (ما) في (الشعراء) منها:"
والجواب أن يقال: إن قوله (ما تعبدون) معناه أي شيء تعبدون؟ وقوله (ماذا) في كلام العرب على وجهين:
أحدهما أن تكون (ما) وحدها اسما (وذا) بمعنى (الذي) والمعنى: ما الذي تعبدون، و (تعبدون) صلة لها.
والآخر: أن تكون (ما) مع (ذا) اسما واحدًا بمعنى (أي شيء) وهو في الحالين أبلغ من (ما) وحدها إذا قيل، ما تفعل؟