وأمّا قول الصوفية إنه خلق العالَمَ بجوده، ففي العبارة إشكالٌ، وذلك يصح على معنى أن يُفسَّر الجود بالكرم، ويعود ذلك إلى صفة الفعل، وهي الإنعام والفضل، فيكون تأويله خلق العالم بفضل، وكذلك كان، فإنه سبحانه مُتفضِّلٌ في ذلك كلّه.
وأما شيخنا أبو حامد، فإنه ساعد في اعتقاد عموم القدرة، ونفي النهاية عن تقدير المقدورات المتعلِّقة بها، ولكن في تفاصيل هذا العالم المخلوق لا سواه، وهذا رأي فلسفيٌّ قصدت به الفلاسفة قلب الحقائق على الناس، وإفساد طرق النظر، ونسبة الإتقام إلى الحياة مثلاً، والجود إلى السمع والبصر، حتى لا يبقى في القلوب سبيل إلى الصواب.
وقد أجمعت الأمّة على خلاف هذا الاعتقاد، وقالت عن بكرة أبيها: إن المقدورات لا نهاية لها لكلّ مُقدَّر الوجود لا لكلّ حاصل الوجود.
والدليل عليه أن القدرة إذا صلحت لإخراج الشيء من العدم إلى الوجود من وجهٍ صلحت من كلّ وجه، وقد ساعد هو على هذا المعنى، لكن زعم ما ليس بمَزعمٍ من أنّ القدرة قصُرت عن صحّة متعلّقها، لأنّ ذلك خلاف الجود، فنقسِّم عليه المعاني ونقول: ماذا أردت بالجود، كذا أو كذا؟ كما تقدّم، فيبقى حائراً.