فأحسن الخطباء من جعل القرآن معينه، وملأ بنور الحديث عينه وجعل البيان خدينه، ثم أكثر من التدريب وأدمن من التجريب، وأخذ من كل فن بنصيب، فترى له من البراعة ومن الجرأة والشجاعة ما يخلب ألباب الجماعة جمالًا في بيان وحسنًا في إتقان، مع عذوبة اللسان وثبات جنان، غير أن البلاء يأتي من الأغرار المعدودين في الخطباء، فهم كالغيم في الصحو وكاللحن في النحو عبارات من حجاب البيان سافرة وجمل متنافرة، وتركيب غريب ليس له من سلطان الإبداع رقيب، همّ أحدهم أن يقول ولو أخطأ في النقول وعاث في العقول، فمنع هؤلاء من الخطابة إصابة حتى يراجع كل منهم حسابه، فليست المنابر أسواق باعة ولا ورش صناعة، إن المنابر مواضع طاعة، تهذب بها الأجيال، وتصقل بها عقول الرجال
ومنطق كضياء الشمس تحسبه
يدب في الجسم مثل البرء لو نظمت
من حسنه سحر هاروت وماروت
ألفاظه قلت هذا عقد ياقوت